بيت اللّه الحرام ، وتوجّههم شطره بحسب مواضع بلدانهم ومراحلهم ومرافقهم من البيت شرقا وغربا وجنوبا وشمالا كما بيّنّا في رسالة جغرافيا .
فصل
ثم اعلم أن الموجودات كلّها نوعان : كلية وجزئية . فالموجودات الكلية الدائمة الوجود والبقاء ، لأنها ابتدأت في الترتيب من أشرفها وأتمّها إلى أدونها وأنقصها كما بيّنّا في رسالة المبادي العقلية .
والموجودات الجزئيات دائمة في الكون ، متوجّهة نحو التمام ، لأنها تبتدئ بالكون من أنقص الوجود متوجّهة إلى أتم الوجود ، ومن أدون الأحوال مترقية إلى أشرفها وأتمها .
ثم اعلم أن الإنسان هو من الأمور الجزئيّة ، وهو مجموع من جوهرين ، أحدهما هذا الجسد الجسماني ، والآخر هو النفس الروحانية . فأنقص حالات جسده ابتداؤه من النّطفة متوجّها إلى أن يصير رجلا جلدا . وأنقص حالات نفسه وأدونها أن تكون ساذجة لا تعلم شيئا كما قال اللّه تعالى :
« وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً »
. وأتمّ حالاتها أن تخرج كل ما في قوتها من الفضائل إلى الفعل ، وهو أن يصير الإنسان مؤمنا حقّا عالما ربّانيّا حكيما فيلسوفا محقّقا كما قال تعالى :
« وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ »
وقال :
« عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ »
وقال :
« كُونُوا رَبَّانِيِّينَ »
.
ثم اعلم أن كل عمل متقن فمن صانع حكيم في أوّلية العقل . وكل فاعل حكيم فله في فعله غرض ما . والغرض هو غاية يسبق إليها وهم النفس .
وإذا بلغ الفاعل إلى الغاية قطع الفعل .
ثم اعلم أن دوران الأفلاك فعل متقن ، ففاعله إذا حكيم ، فله إذا في إدارة الأفلاك غرض ما . فإن كان قد بلغ إلى غرضه ، فسبيله أن يقطع