فصل في أن الفلك طبيعة خامسة
واعلم يا أخي أن معنى قول الحكماء إن الفلك طبيعة خامسة إنما يعنون أن الأجسام الفلكية لا تقبل الكون والفساد والتغيّر والاستحالة والزيادة والنّقصان ، كما تقبلها الأجسام التي تحت فلك القمر ، وأن حركاتها كلّها دوريّة .
واعلم أن للأجسام صفات كثيرة ، فمنها ما تشترك الأجسام كلّها فيها ، ومنها ما يختصّ ببعضها دون بعض ، فالصفات التي تشترك فيها الأجسام كلّها الطول والعرض والعمق فحسب .
واعلم أن الصفات إنما هي صور تحصل في الهيولى ، فيكون الهيولى بها موصوفا ؛ فمن هذه الصورة التي تسمّى الصفات مهايا « 1 » ذاتيّة للجسم مقوّمة لوجدانه ، كالطول والعرض والعمق ، لأنها متى بطلت عن الجسم بطل وجدان الجسم ، ومن الصورة ما هي متمّمة للجسم مبلغة إلى أفضل حالاته ، وهذه الصورة تختصّ ببعض الأجسام دون بعض ، وربما يشترك فيها عدّة أجسام . فمن الصّور المتمّمة ما يشترك فيها الأجسام الفلكية والطبيعية ، وهي الشّكل والحركة والنور والشّفافة واليبس الذي هو تماسك الأجزاء .
ومما يختص بالأجسام الطبيعية الحرارة والبرودة والثّقل والتغيّر والخفّة والاستحالة والحركة على الاستقامة وما شاكلها . والذي يختصّ بالأجسام الفلكية سلب هذه الصّفات كلّها ، فمن أجل هذا قيل إنها طبيعة خامسة ، لأنها ليست حارة ولا باردة ولا رطبة ولا ثقيلة ولا خفيفة ، ولا يستحيل بعضها إلى بعض فيكون منها شيء آخر ، ولا يزيد في مقاديرها ولا ينقص ، لأن الباري ، جلّ ثناؤه ، أبدعها كلّها واخترعها تامّة كاملة ، فهي باقية بحالاتها إلى وقت ما يريد باريها ، عزّ وجل ، أن يفنيها كيف شاء ، كما
هامش
( 1 ) مهايا : جمع ماهية ، ووجهها ان تجمع على ماهيات .