فصل في أنه ليس خارج العالم لا خلاء ولا ملاء
اعلم يا أخي أن هذه الإحدى عشرة كرة هي جملة العالم ومساكن الخلائق أجمعين ، وقد ظن كثير بالأوهام أن وراء الفلك المحيط جسم آخر وخلاء بلا نهاية ، وكلا الحكمين خطأ لا حقيقة له ، لأنه قد قام بالبرهان العقلي أن الخلاء غير موجود أصلا ، لا خارج العالم ولا داخله ، لأن معنى الخلاء هو المكان الفارغ الذي لا متمكّن فيه كما وصفنا ، والمكان صفة من صفات الأجسام وهو عرض ولا يقوم إلّا بالجسم ولا يوجد إلّا معه ، فمن ادّعى أن خارج العالم جسم آخر من أجل الوهم الذي يتخيّله فهو المطالب بالدليل على دعواه .
واعلم أن الوهم قوة من قوى النفس وهي تتخيل ما لا حقيقة له وما له حقيقة ، فليس ينبغي أن يحكم على متخيّلاتها أنها حق وباطل دون أن تشهد لها إحدى القوى الحسّاسة ، ويقوم عليها برهان ضروري أو يقضي لها العقل .
واعلم أن حكم العقل هو الذي يتساوى فيه العقلاء ، وكلّهم لم يتفقوا على أن خارج العالم جسم آخر ، لأن الحسّ لم يدركه ، والعقل لم يقض به ، والبرهان لم يقم عليه ، فأيّ قضية تحكم أن هناك جسما آخر غير تخيّل الأوهام الكاذبة ، فإن كان هناك جسم آخر كما ادّعى المدّعي ، فلا يمكن أن يكون من ورائه شيء آخر ، لأن الجسم ذو نهاية ، والخلاء ليس بموجود ببراهين قد قامت كما ذكرنا . فأما الدليل على أن كل جسم ذو نهاية فقد اتفقت عليه الآراء النبوية والفلسفية جميعا . وذلك أن من الرأي النبوي ان كل جسم مخلوق ، وكلّ مخلوق ذو نهاية في أوّليّة العقل ، ومن الرأي الفلسفي أن كلّ جسم مركّب من هيولى وصورة ، وكلّ مركب ذو نهاية في أوّليّة العقل .