والتّطرّق منها إلى علوم الطبيعيات ؛ وأما غرضهم من النظر في الطبيعيات فهو الصّعود منها والترقي إلى العلوم الإلهيّة الذي « 1 » هو أقصى غرض الحكماء ، والنهاية التي إليها يرتقى بالمعارف الحقيقية . ولما كان أول درجة من النّظر في العلوم الإلهية هو معرفة جوهر النفس ، والبحث عن مبدئها من أين كانت قبل تعلّقها بالجسد ، والفحص عن معادها إلى أين تكون بعد فراق الجسد الذي يسمّى الموت ، وعن كيفيّة ثواب المحسنين كيف يكون في عالم الأرواح ، وعن جزاء المسيئين كيف يكون في دار الآخرة ؛ وخصلة أخرى أيضا ، لما كان الإنسان مندوبا إلى معرفة ربّه ، ولم يكن له طريق إلى معرفته إلّا بعد معرفة نفسه ، كما قال اللّه تعالى : « ومن يرغب عن ملّة إبراهيم إلّا من سفه نفسه » أي جهل النفس ؛ وكما قيل : من عرف نفسه فقد عرف ربّه ؛ وقد قيل أيضا : أعرفكم بنفسه أعرفكم بربّه ؛ وجب على كلّ عاقل طلب علم النفس ومعرفة جوهرها وتهذيبها ، وقد قال اللّه تعالى :
« وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ، فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها
« 2 »
»
. وقال اللّه تعالى حكاية عن امرأة العزيز في قصّة يوسف ، عليه السلام : « إن النفس لأمّارة بالسّوء إلّا ما رحم ربّي » .
وقال تعالى :
« وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ . وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى »
. وقال تعالى :
« يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها »
. وقال تعالى :
« يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً »
. وقال تعالى :
« اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها »
؛ وآيات كثيرة في القرآن ودلالات على وجود النفس وعلى تصرّف حالاتها ، وهي حجّة على الجرميّين « 3 » المنكرين أمر النفس ووجدانها .
هامش
( 1 ) الذي : صفة للترقي .
( 2 ) دسّاها : أخفاها بالمعصية ، وأصله دسسها ، أبدلت السين الثانية ألفا تخفيفا .
( 3 ) الجرميين : نسبة إلى الجرم ، وهو الجسم ، واحد الاجرام السماوية ، أي النجوم ، والمراد بهم الماديون .