فصل في بيان طريق الخطأ عند العقلاء وخطأ القياس عند الفلاسفة
واعلم يا أخي بأن على هذا المثال يجري سائر أحكام العقلاء وظنونهم وتوهمهم في الأشياء قبل البحث والكشف ، وذلك أن أكثر الناس إذا رأوا في بلدهم ريحا أو مطرا أو حرّا أو بردا أو ليلا أو نهارا أو شتاء أو صيفا ، ظنّوا وتوهّموا بأن ذلك موجود في سائر البلدان ، قياسا على ما يجدون في بلدهم ، كما كانوا يظنّون ، وهم صبيان ، في سائر بيوت الناس مثل ما كانوا يجدون في بيوت آبائهم ، حتى استبان لهم بعد التجربة حقيقة ما كانوا يتوهّمون كما بيّنّا قبل . فهكذا يجري حكم العقلاء من الناس في ظنونهم وتوهّمهم في مثل هذه الأشياء التي تقدّم ذكرها ، حتى إذا نظروا في العلوم الرياضية ، وخاصّة علم الهيئة « 1 » ، استبان لهم عند ذلك حقيقة ما كانوا يظنون ويتوهّمون صوابا كان أو خطأ .
واعلم يا أخي بأن الإنسان لا ينفكّ من هذه الظنون والأوهام ، لا العقلاء المتيقّنون ، ولا العلماء المرتاضون ، ولا الحكماء المتفلسفون أيضا ، وذلك أنّا نجد كثيرا ممن يتعاطى الفلسفة والمعقولات والبراهين يظنّون ويتوهّمون أن الأرض في موضعها الخاصّ بها هي ثقيلة أيضا ، قياسا على ما وجدوا من ثقل أجزائها ، أيّ جزء كان . فإذا كان هذا هكذا ، فغير مأمون أن تكون سائر القياسات تجري هذا المجرى ، وفي هذا ما يدل على ضعف القياس وفساده ودلالته ، وهكذا يظنّ كثير منهم : من يكون في مقابلة بلدهم من جانب الأرض ، أن قيامهم يكون منكوسا ، قياسا على ما يجدون من حال من يكون واقفا تحت سطح ، وآخر هو قائم فوقه ، رجلاه في مقابلة رجليه ،
هامش
( 1 ) الهيئة : علم يبحث عن أحوال الأجرام البسيطة العلوية والسفلية من حيث الكميّة والكيفيّة والوضع والحركة اللازمة لها وما يلزم منها .