اللّه ، جل ثناؤه ، بقوله :
« وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى ، فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ »
يعني النشأة الآخرة ، وقال تعالى :
« وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ »
. وقال اللّه ، عزّ وجلّ :
« ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ، إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »
.
فصل في قابلية الإنسان جميع الأخلاق
اعلم يا أخي ، أيّدك اللّه وإيانا بروح منه ، بأن اللّه ، جلّ ثناؤه ، لما أراد أن يجعل في الأرض خليفة له من البشر ليكون العالم السّفليّ الذي هو دون فلك القمر عامرا بكون الناس فيه ، مملوءا من المصنوعات العجيبة على أيديهم ، محفوظا على النّظام والترتيب بالسياسات الناموسيّة والملكوتية والفلسفية والعامّيّة والخاصّيّة جميعا ، ليكون العالم باقيا على أتمّ حالاته وأكمل غاياته ، كما ذكر في السّفر الرابع من صحف هرمس وهو إدريس النبيّ ، عليه السلام ، وذكرناه في رسالة الجامعة ، وأشرنا إليه في رسائلنا ، وكما سنبيّن في هذه الرسالة ، فبدأ أولا ربّنا تعالى فبنى لخليفته هيكلا من التراب عجيب البنية ، ظريف الخلقة ، مختلف الأعضاء ، كثير القوى ، ثم ركّبها وصوّرها في أحسن صورة من سائر الحيوانات ، ليكون بها مفضّلا عليها ، مالكا لها ، متصرّفا فيها كيف يشاء ؛ ثم نفخ فيه من روحه ، فقرن ذلك الجسد التّرابيّ بنفس روحانية من أفضل النفوس الحيوانية وأشرفها ، ليكون بها متحرّكا حسّاسا درّاكا علّاما عاملا فاعلا ما يشاء ؛ ثم أيّد نفسه بقوى روحانية سائر الكواكب في الفلك ، ليكون متهيئا له بها ، وممكنا له قبول جميع سائر الأخلاق ، وتعلّم جميع العلوم والآداب والرياضيات والمعارف والسياسات ، كما مكّنه وهيأ له بأعضاء بدنه المختلفة الأشكال والهيئات تعاطي جميع الصنائع البشرية ، والأفعال الإنسانية ، والأعمال الملكيّة .
وذلك أنه قد جمع في بنية هيكله جميع أخلاط الأركان الأربعة ،