أسطرلاب يساوي مائة درهم ، فإن تلك القيمة ليست للهيولي ولكن لتلك الصّورة التي جعلت فيها . وأما الذهب والفضّة اللذان هما الهيولى الموضوع في صناعة الصوّاغين أو الضّرّابين ، إذا ضرب منهما دراهم ودنانير أو صياغة ما ، فليس مبلغ تفاوت القيمة ما بين الموضوع والمصنوع مثل ما يبلغ في صناعة أسطرلاب وغيرها . وأما التي شرفها من جهة النفع منها للعموم فهي مثل صناعة الحمّامين والسمّادين « 1 » والكنّاسين وغيرهم ، وذلك أن الحمّام المنفعة منه للصغير والكبير والشريف والوضيع والمدني والغريب والقريب والبعيد كلّهم بالسوية لا يتفاضلون في الانتفاع به .
وأما أكثر الصنائع فأهلها متفاوتون في منافعها كاختلافهم في الملبوسات والمأكولات والمشروبات والمسكونات وأمثالها من الأمتعة المصنوعة ، حال الغنيّ فيها خلاف حال الفقير ، إلّا الحمّام والمزيّن وأمثالهما . وأما صناعة السمّادين والزبّالين فإن الضرر في تركها عظيم عامّ على أهل المدينة ، وذلك أن العطّارين الذين الموضوع في صناعاتهم مضادّ للموضوع في صناعة السمّادين ، لو أنهم أغلقوا دكاكينهم وأسواقهم شهرا واحدا لم يلحق من ذلك من الضّرر لأهل المدينة مثل ما يلحق من الضّرر من ترك السّمّادين صناعتهم أسبوعا واحدا ، فإن المدينة تمتلئ من السماد والسّرقين « 2 » والجيف والقاذورات ، وما يتنغّص عيش أهلها من أجله .
وأما التي شرفها من الصناعة نفسها فهي مثل صناعة المشعبذين « 3 » والمصورين والموسيقيّين وأمثالهم ، وذلك أن الشّعبذة ليست شيئا سوى سرعة الحركة وإخفاء الأسباب التي يعملها الصّانع فيها ؛ حتى أنه مع ضحك السّفهاء منها ،
هامش
( 1 ) السمادين : الذين ينظفون الشوارع والأسواق من السماد ، اي السرقين ، برماد .
( 2 ) السرقين : الرّبل .
( 3 ) المشعبذين : المشعوذين ، وصناعتهم تقوم على خفة اليد ، واعمال كالسحر ، يرى الشيء بغير ما عليه أصله في رأي العين .