تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
لأنهم لم يكونوا يتفكّرون في أمر الآخرة والمعاد ، ولا يفقهون ما يقال لهم من معاني أمر الآخرة وطريق المعاد فقال :
« يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ »
. وقال عزّ وجلّ :
« فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ »
.

فصل في مثنوية قنية الانسان ومثنوية الأعمال

ولما تبيّن ان أكثر أمور الانسان وتصرّف أحواله مثنوية متضادّة ، من أجل انه جملة مجموعة من جوهرين متباينين ، جسد جسمانيّ ونفس روحانية ، كما بيّنّا قبل ، صارت قنيته أيضا نوعين : جسمانية ، كالمال ومتاع الدنيا ، وروحانية ، كالعلم والدين ، وذلك ان العلم قنية للنفس ، كما أن المال قنية للجسد . وكما أن الانسان يتمكن بالمال من تناول اللذّات من الأكل والشرب في الحياة الدنيا ، فهكذا بالعلم ينال الإنسان طريق الآخرة ، وبالدين يصل إليها ، وبالعلم تضيء النفس وتشرق وتصحّ ، كما أن بالأكل والشرب ينمي الجسد ويزيد ويربو ويسمن . فلما كان هكذا صارت المجالس أيضا اثنين : مجلس للأكل والشرب واللهو واللعب واللذّات الجسمانية ، من لحوم الحيوان ونبات الأرض ، لصلاح هذا الجسد المستحيل الفاسد الفاني ؛ ومجلس للعلم والحكمة وسماع روحانيّ من لذّة النفوس التي لا تبيد جواهرها ، ولا ينقطع سرورها في الدار الآخرة ، كما ذكر اللّه ، جلّ ثناؤه ، بقوله :
« وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ »
. فلما كانت المجالس اثنين صار أيضا السائلون اثنين ، واحد يسأل حاجة من عرض الدّنيا ، لصلاح هذا الجسد ولجرّ المنفعة اليه ، أو لدفع المضرّة عنه ؛ وواحد يسأل مسألة من العلم ، لصلاح أمر النفس وخلاصها من ظلمات الجهالة ، أو للتفقّه في الدين طلبا لطريق الآخرة ، واجتهادا في الوصول إليها ، وفرارا من نار جهنم ، ونجاة من عالم