اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول « ينبغي للعاقل أن لا يكون شاخصا إلا في ثلاث : مرمة لمعاشه ، أو خلوة لمعاده ، أو لذة في غير محرم » وقال « ينبغي للعاقل أن يكون له في النهار أربع ساعات : ساعة يناجي فيها ربه ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يأتي فيها أهل العلم الذين يبصرونه بأمر دينه ودنياه وينصحونه ، وساعة يخلي بين نفسه ولذاتها فيما يحلّ ويجمل » وقال « ينبغي للعاقل أن ينظر في شأنه : ويعرف أهل زمانه ، ويحفظ فرجه ولسانه » .
( قال الفقيه ) رضي اللّه تعالى عنه : وذكر أن هذه الكلمات مكتوبة في حكمة آل داود عليه السّلام . وروي عن أنس بن مالك رضي اللّه تعالى عنه أن لقمان الحكيم دخل على داود النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وكان داود يسرد الدرع ، فجعل يتعجب مما يرى فأراد أن يسأله عن ذلك فمنعته حكمته فأمسك نفسه ولم يسأله ، فلما فرغ قام داود عليه السّلام فلبس الدرع ثم قال : نعم الدرع للحرب ونعم عامله ، فقال لقمان : الصمت حكمة وقليل فاعله . قال القائل :
النطق زين والسكوت سلامة * فإذا نطقت فلا تكن مكثارا
ما إن ندمت على سكوتي مرة * ولقد ندمت على الكلام مرارا
وفي موضع : أنه كان يختلف إليه سنة ويريد أن يسأله فلما فرغ منه لبسه ، وقال ما أحسن هذا الدرع للحرب ، فقال لقمان : الصمت حكمة وقليل فاعله ، هذا من كتاب التنبيه . وأما ما بعده من الأبيات فليست من الكتاب . قال بعضهم :
يموت الفتى من عثرة بلسانه * وليس يموت المرء من عثرة الرجل
ولآخر : لا تنطقنّ بما كرهت فربما * نطق اللسان بحادث فيكون
ولحميد بن عباس :
لعمرك ما شيء علمت مكانه * أحقّ بسجن من لسان مذلل
على فيك مما ليس يعنيك شأنه * بقفل وثيق حيث كنت فأقفل
فربّ كلام قد جرى من ممازح * فساق إليه سهم حتف معجل
وللصمت خير من كلام ممازح * فكن صامتا تسلم وإن قلت فاعدل
ولا تك في جنب الأخلاء مفرطا * وإن كنت أبغضت البغيض فأجمل
فإنك لا تدري متى أنت مبغض * حبيبك أو تهوى بغيضك فاعقل
( قال بعض الحكماء ) في الصمت سبعة آلاف خير ، وقد اجتمع ذلك كله في سبع كلمات في كل كلمة منها ألف : أولها أن الصمت عبادة من غير عناء ، والثاني زينة من غير حليّ ، والثالث هيبة من غير سلطان ، والرابع حصن من غير حائط ، والخامس الاستغناء عن الاعتذار إلى أحد ، والسادس راحة الكرام الكاتبين ، والسابع ستر لعيوبه . ويقال الصمت زين للعالم وستر للجاهل .