فقال : ما أعلم لي حالا توجب هذا ، إلّا أنّي كنت غلاما أمردا ، مع أستاذي فلان ، الذي هو أحد من قتل الساعة ، وكان يأتي منّي الفاحشة ، ويخرجني معه ، فنقطع الطريق ، ونخيف السبيل ، ونقتل الأنفس ، وننهب الأموال ، ونهتك الحرم ، ونفجر بهنّ ، ونأخذ كل ما نجد ، لا أعرف غير هذا .
فقال له أبو الفضل : كنت تصوم وتصلّي ؟
قال : ما كنت أعرف الصلاة ، ولا صمت قط ، ولا فينا من يصوم .
فقال له : ويلك ، فما هذا الأمر الذي نجّاك اللّه به ، فهل كنت تتصدّق ؟
قال : ومن كان يجئنا حتى نتصدّق عليه ؟
قال : ففكّر ، واذكر شيئا ، إن كنت فعلته للّه عزّ وجلّ ، وإن قلّ .
ففكّر الغلام ساعة ، ثم قال : نعم ، سلّم إليّ أستاذي منذ سنين ، رجلا كان أسره في بعض الطرقات ، بعد أن أخذ جميع ما معه ، وصعد به إلى القلعة .
وقال له اشتر نفسك بمال تستدعيه من بلادك وأهلك ، وإلّا قتلتك .
فقال الرجل : ما أملك من الدنيا كلّها غير ما أخذته منّي .
فعذّبه أيّاما وهو لا يذعن بشيء .
ثم جدّ به يوما في العذاب جدّا شديدا ، فحلف الرجل باللّه تعالى ، وبالطلاق ، وبأيمان غليظة ، أنّه لا يملك من الدنيا إلّا ما أخذه منه ، وأنّه ليس له في بلده إلّا نفقة جعلها لعياله ، قدرها نفقة شهر ، إلى أن يعود إليهم ، وأنّ الصدقة الآن تحلّ له ولهم ، واستسلم الرجل للموت .
فلمّا وقع في نفس أستاذي أنّه صادق ، قال : إنزل به ، وأمض إلى الموقع الفلاني ، فاذبحه ، وجئني برأسه .
فأخذت الرجل ، وحدرته من القلعة ، فلمّا رآني أعسفه ، قال لي : إلى أين تمضي بي ؟ وأيّ شيء تريد منّي ؟ فعرّفته ما أمرني به أستاذي ، فجعل يبكي ، ويلطم ، ويتضرّع ، ويسألني أن لا أفعل ، ويناشدني اللّه عزّ وجلّ ، وذكر لي
الفرج بعد الشدة — صفحة 99
مساهمون: القاضي التنوخي
ص٩٩