قال : فجلست على قارعة الطريق ، فإذا رجل هندي ، مقبل وعلى كتفه كارة ، فحطّها وجلس حذائي .
فقلت : أين تريد ؟
قال : الرستاق « 2 » الفلاني .
قلت : وأنا الآخر كذلك .
قال ؛ فنصطحب ؟
قلت : نعم .
فصحبته طمعا في أن يعرض عليّ شيئا من مأكوله ، فلم يفعل ، ولم تطب نفسي أن أبدأه بالسؤال .
فلمّا فرغ قام يمشي ، فمشيت معه ، وبتّ معه ، طمعا في أن تحمله المؤانسة على العرض عليّ ، فعمل بالليل كما عمل بالنهار . [ 254 ر ] .
قال : وأصبحنا في غد ، فمشينا ، فعاملني بمثل ذلك أربعة أيّام ، فصار لي سبعة أيّام لم أذق فيها شيئا .
فأصبحت في الثامن ضعيفا مهووسا « 3 » لا قدرة لي على المشي ، فعدلت عن الطريق ، وفارقت الرجل ، فرأيت قوما يبنون ، وقيّما عليهم ، فقلت للقيّم :
استعملني مثل هؤلاء بأجرة تعطينيها عشيّا .
فقال : نعم ، ناولهم الطين .
فقلت : عجّل لي أجرة يوم ، ففعل ، فابتعت بها ما أكلته .
وقمت أناولهم الطين ، فكنت - لعادة الملك - أقلب يدي إلى ظهري وأعطيهم الطين ، فكما « 4 » أذكر أنّ ذلك خطأ ينبّه عليّ ويسفك دمي ، أبادر بتلافي ذلك ،
هامش
( 2 ) الرستاق : ما يحيط بالبلدة من الريف والقرى .
( 3 ) الهوس : طرف من الجنون وخفّة العقل .
( 4 ) كما أذكر : اصطلاح بغدادي في أيّام التّنوخي ، معناه : حالما أذكر ، أما الآن فيستعمله أهل الموصل .