رقبته بيدي ، ونمت على ظهره ، وألصقت بطني بظهره ، وجعلت رجلي تحت مخصاه
وكانت دمائي تجري ، فحين داخلني ذلك الفزع العظيم رقأ الدم ، وعلق شعر الأسد بأفواه أكثر الجراحات ، فصار سدادا لها ، وعونا على انقطاع الدم [ 233 غ ] ، لأنّي حصلت كالملتصق عليه .
وورد على الأسد منّي ، أطرف ممّا ورد عليّ منه وأعظم ، وأقبل يجري تحتي كما تجري الفرس تحت الراكب القويّ ، وأنا أحسّ بروحي تخرج ، وأعضائي تتقصّف من شدّة جريه ، ولم أشكّ أنّه يقصد أجمة بالقرب فيلقيني إلى لبوته فتفترسني .
فجعلت أضبط نفسي مع ذلك وأؤمّل الفرج ، وأدافع الموت عاجلا ، وكلّما همّ أن يربض ركضت خصاه برجلي فيطير ، وأنا أعجب من نفسي ومطيّتي ، وأدعو اللّه عزّ وجلّ ، وأرجو الحياة مرّة ، ومرّة آيس من نفسي .
إلى أن ضربني نسيم السحر ، فقويت نفسي ، وأقبل الفجر يضيء ، فتذكّرت طلوع الشمس فجزعت ، ودعوت اللّه تعالى ، وتضرعت إليه .
فما كان بأسرع من أن سمعت صوتا ضعيفا لا أدري ما هو ، ثم قوي ، فشبّهته بصوت ناعورة ، والأسد يجري ، وقوي الصوت ، فلم أشكّ في أنّه ناعورة .
ثم صعد الأسد إلى تلّ ، فرأيت منه بياض ماء الفرات [ 221 ر ] وهو جار ، وناعورة تدور ، والأسد يمشي على شاطئ الفرات برفق ، إلى أن وجد مشرعة « 9 » ، فنزل منها إلى الماء ، وأقبل يسبح ليبعد .
هامش
( 9 ) المشرعة : مورد الشاربة ، والبغداديّون يسمّونها الآن : الشريعة ، فصيحة ، ويجمعونها على : شرايع ، ويروى عن الشيخ عبد السلام الشوّاف البغداديّ رحمه اللّه ، وكان من الفقهاء ، الفضلاء ، الزهّاد ( 1236 - 1318 ) إنّه كان إذا ألقى على تلاميذه درسا في علم الكلام ، في تفضيل الإسلام على غيره من الملل ، ختم درسه بهذين البيتين :يالّلى تريد العبر * ومن الغرق تبرهكلّ الشرايع زلق * من يمنّا العبرة