فلم يكن إلّا لحظة ، وإذا بفيل عظيم قد أقبل وهو ينعر ، والصحراء تتدكدك بنعيره وشدّة سعيه ، وهو يطلبنا .
فقال بعضنا لبعض : قد حضر الأجل ، فتشهّدوا ، فأخذنا في الاستغفار والتسبيح ، وطرح القوم نفوسهم على وجوههم .
فجعل الفيل يقصد واحدا واحدا منهم ، فيتشمّمه من أوّل جسده إلى آخره ، فإذا لم يبق منه موضعا إلا شمّه ، شال إحدى قوائمه فوضعها عليه ففسخه .
فإذا علم أنّه قد تلف ، قصد إلى آخر [ 229 غ ] ففعل به مثل فعله بالأوّل .
إلى أن لم يبق غيري ، وأنا جالس منتصب أشاهد ما جرى وأستغفر اللّه عزّ وجلّ وأسبّح .
فقصدني الفيل ، فحين قرب منّي ، رميت بنفسي [ 218 ر ] على ظهري ففعل بي من الشمّ كما فعل بأصحابي ، ثم عاد فشمّني دفعتين أو ثلاثا ، ولم يكن فعل ذلك بأحد منهم غيري ، وروحي في خلال ذلك تكاد تخرج فزعا .
ثم لفّ خرطومه عليّ ، وشالني في الهواء ، فظننته يريد قتلي ، فجهرت بالاستغفار .
ثم لفّني بخرطومه فجعلني فوق ظهره ، فانتصبت جالسا ، واجتهدت في حفظ نفسي بموضعي .
وانطلق الفيل ، يهرول تارة ، ويسعى تارة ، وأنا تارة أحمد اللّه تعالى على تأخير الأجل وأطمع في الحياة ، وتارة أتوقّع أن يثور بي فيقتلني ، فأعاود الاستغفار ، وأنا أقاسي في خلال ذلك من الألم والجزع لشدّة سرعة سعي الفيل أمرا عظيما .
فلم أزل على ذلك ، إلى أن طلع الفجر وانتشر ضوءه « 5 » ، فإذا به قد لفّ خرطومه عليّ .
فقلت : قد دنا الأجل وحضر الموت ، وأكثرت من الاستغفار .
فإذا به قد أنزلني عن ظهره برفق ، وتركني على الأرض ، ورجع إلى الطريق
هامش
( 5 ) في غ : واشتدّ ضوؤه .