فحين رآني ، تأمّلني طويلا ، ثمّ أومأ إلى خادم له بكلام لا أفهمه ، وركب .
فجاءني الخادم ، فقال : الوزير يأمرك أن لا تبرح من الدار ، إلى أن يعود ، وأخذني إلى حجرة ، فأجلسني فيها .
فقامت قيامتي ، وخفت أن يكون قدّر أن تكون لي بقيّة حال ، ويريد الرّجوع عليّ بالمطالبة ، وليس ورائي شيء ، فأتلف .
فتداخلني من الجزع أمر عظيم ، وحصلت في شدّة كانت أشدّ عليّ ممّا مرّ بي ، فلم يكن بأسرع من أن عاد .
فجاءني الخادم ، فقال : قم إلى الوزير ، فقد طلبك .
فجئت ، حتّى دخلت عليه ، وهو خال وحده ، وليس بين [ 135 م ] يديه غير أبي الحسين ، ابنه « 4 » ، فرحّب بي ، وأكرمني ، ورأيت من برّه ما زال عنّي معه الخوف .
ثمّ قال : يا أبا علي ، أعرفك نظيف الثوب ، حسن القيام على نفسك ، فلم أنت بهذه الصورة ؟ .
قال : ففطنت أنّه لما رآني على صورتي تلك ، رقّ لي .
فقلت : أيّها الوزير ، لم يبق لي - واللّه - حال ، وإنّه ليتعذّر عليّ ما أغيّر به هذا المقدار من أمري ، وفتحت أبواب الشكاية ، إلى أن بكيت .
فقال : إنّا للّه ، إنّا للّه « 5 » ، ما ظننت أنّ حالك بلغت إلى هذا ، ولقد أسأنا إليك .
هامش
( 4 ) الوزير أبو الحسين علي بن محمد بن علي بن مقلة : هو ابن الوزير أبي عليّ ، لما قلّد الراضي ولديه ، المشرق والمغرب ، استكتب لهما أبا الحسين ، ثمّ استخلفه أبوه على جميع الدواوين ، ثم ولّاه الراضي الوزارة مع أبيه ، ولها قبض على أبيه استتر ، ثم وزّر للمتّقي ، وسافر معه إلى الموصل ، ولما عاد معه إلى بغداد ، قبض عليه توزون ، وتوفّي في السنة 346 ( تجارب الأمم 1 / 309 - 388 و 2 / 43 - 167 ) .
( 5 ) في م : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون .