فلمّا كان من غد نصف النّهار ، جاء عريف آخر من الفرّاشين ، ومعه رجاله ، فرشّوا الخيش ، فخرجت فاختلطت بهم .
فقالوا : أيش تعمل هاهنا ؟
فأومأت إليهم بالسّكوت ، وقلت : اللّه ، اللّه ، في دمي ، فإنّ حديثي طويل ، فتذمّموا أن يفضحوني .
وقال بعضهم : ما بال لحيتك قد شابت ؟
فقلت : لا أعلم ، وأخذت ماء من [ 96 م ] قربة بعضهم ، فرطّبت به قربتي ، وخرجت بخروجهم .
فلمّا صرت في موضع من دار الخليفة ، وقعت مغشيا عليّ ، وركبتني حمى عظيمة وذهب عقلي ، [ فحملني الفرّاشون إلى منزلي ، وأنا لا أعقل ] « 7 » ، فأقمت مبرسما مدّة طويلة « 8 » .
وقد كنت عاهدت اللّه تعالى ، وأنا في البادهنج ، إن هو خلّصني ، أن لا أخدم أحدا أبدا ، ولا أشرب النّبيذ ، وأقلعت عن أشياء تبت منها .
فلمّا تفضّل اللّه تعالى بالعافية ، وفيت بالنّذر ، وبعت أشياء كانت لي ، وضممتها إلى دراهم كانت عندي ، ولزمت دكّانا لحميّي أتعلّم فيه التّجارة معه ، وأتّجر ، وتركت الدّار ، فما عدت إليها إلى الآن ، ولا أعود أبدا إلى خدمة الناس ، ولا أنقض ما تبت منه .
قال : ورأيت لحيته وقد كثر فيها الشّيب .
هامش
( 7 ) الزيادة من غ وم .
( 8 ) الاسم الصحيح للمرض : السرسام ، قال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا ، في كتابه القانون 2 / 44 :
ومن الناس ، ممن لا يعرف اللّغات ، يحسب أنّ البرسام اسم لهذا الورم ، وأنّ السرسام أخفّ منه ، وليس ذلك بشيء ، فإنّ البرسام يعني ورم الصدر ، والسرسام يعني ورم الرأس ، ووصف الشيخ الرئيس أعراض السرسام ، بأنّها حمى لازمة يابسة ، وهذيان ، وكراهة للكلام ، واختلاط العقل ، وعبث الأطراف ، ونفس مضطرب غير منتظم ، راجع التفصيل في كتاب القانون ج 2 ص 44 - 54 .