قال : نعم . . . وكان بضربه ماهرا .
فقال الرجل : دونك « 1 » الصنج فأسمعنا ضربك به .
فأخذ الرجل الصنج ولم يزل يسمع التاجر الضرب الصحيح ، والصوت الرخيم ، والتاجر يشير بيده ورأسه طربا حتى أمسى . فلما حان الغروب قال الرجل للتاجر : مر لي بالأجرة . فقال له التاجر : وهل عملت شيئا تستحق به الأجرة ؟
فقال له : عملت ما امرتني به . وأنا أجيرك وما استعملتني « 2 » عملت .
ولم يزل به حتى استوفى منه مئة الدرهم وبقي جوهره غير مثقوب .
فلم أزدد في الدنيا وشهواتها نظرا إلا ازددت فيها زهادة ، ومنها هربا ، ووجدت النسك هو الذي يمهد للمعاد « 3 » كما يمهد الوالد لولده .
ووجدته هو الباب المفتوح إلى النعيم المقيم ووجدت الناسك قد تدبر فعلته « 4 » بالسكينة « 5 » والوقار ، فشكر وتواضع ، وقنع فاستغنى ، ورضي فلم يهتم ، وخلع الدنيا فنجا من الشرور ، ورفض الشهوات فصار طاهرا ، وطرح الحسد فوجبت له المحبة ، وانفرد بنفسه فكفي الأحزان وسخت نفسه بكل شيء ، واستعمل العقل فأبصر العاقبة فأمن الندامة ، واعتزل الناس فسلم منهم ولم يخفهم .
فلم أزدد في أمر النسك نظرا إلا ازددت فيه رغبة حتى هممت أن أكون من أهله . ثم تخوفت ألا أصبر على عيش الناسك ولا أقوى على عسره ومشقته لما اعتدته وغذيت به منذ كنت وليدا . ولم آمن ، إن تركت الدنيا وأخذت في انسك ، أن أضعف عن ذلك وأكون قد
هامش
( 1 ) دونك : خذ .
( 2 ) استعملتني : طلبت مني عمله .
( 3 ) للمعاد : للآخرة .
( 4 ) تدبر فعلته : نظر في عواقبها .
( 5 ) السكينة : الطمأنينة والهدوء .