ورماهما فقتلهما وسلخ جلديهما فاحتقبهما « 1 » وانصرف بهما إلى منزله . ثم إنها رجعت ، فلما رأت ما حل بهما من الأمر الفظيع اضطربت ظهرا لبطن وصاحت وضجت ، وكان إلى جنبها شعهر ، فلما سمع ذلك من صياحها قال لها : ما هذا الذي تصنعين وما نزل بك ؟ أخبريني به .
قالت اللبؤة : شبلاي مرّ بهما إسوار فقتلهما وسلخ جلديهما فاحتقبهما ونبذهما « 2 » في العراء « 3 » .
قال لها الشعهر : لا تضجي وأنصفي من نفسك « 4 » ، واعلمي أن الدنيا دار مكافأة ، ففاعل الخير يحمده ، وفاعل الشر يجني ثمره ، وإن هذا الاسوار لم يأت إليك « 5 » شيئا إلا وقد كنت تفعلين بغيرك مثله ، وتأتين مثل ذلك إلى غير واحد ممن كان يجد بحميمه « 6 » ، ومن يعز عليه مثل ما تجدين بشبليك ، فاصبري من غيرك على ما صبر غيرك عليه منك .
فإنه قد قيل : كما تدين تدان ، ولكل عمل ثمرة من الثواب والعقاب ، وهما على قدره في الكثرة والقلة كالزرع إذا حضر الحصاد أعطى على حسب بذره .
قالت اللبؤة : بين لي ما تقول وأفصح لي عن إشارته . قال الشعهر :
كم أتى لك من العمر ؟ قالت اللبؤة : كذا وكذا سنة . قال الشعهر :
ما كان قوتك فيه ؟ قالت اللبؤة : لحم الوحش . قال الشعهر : ومن كان يطعمك إياه : قالت اللبؤة : كنت أصيد الوحش وآكله . قال الشعهر :
أرأيت الوحوش التي كنت تأكلين ، أما كان لها آباء وأمات ؟ قالت بلى .
قال الشعهر : فما بالي لا أرى ولا أسمع لأولئك الآباء والأمات من الجزع
هامش
( 1 ) احتقبهما : ربطهما خلفه على ركوبته .
( 2 ) نبذهما : طرحهما .
( 3 ) العراء : الفضاء .
( 4 ) انصفي من نفسك : خذي حقك منها .
( 5 ) لم يأت إليك شيئا : لم يفعل بك .
( 6 ) الحميم : القريب الذي تهتم لامره والصديق الحرة صداقته .