ولأن تعذب في الدنيا بجرمك خير من أن تعذب في الآخرة بجهنم مع الإثم .
قال كليلة : قد فهمت كلامك ، ولكن ذنبك عظيم وعقاب الأسد شديد أليم . وكان بقربهما في السجن فهد معتقل « 1 » يسمع كلامهما ولا يريانه ، فعرف معاتبة كليلة لدمنة على سوء فعله وما كان منه ، وأن دمنة مقر بسوء عمله وعظيم ذنبه ، فحفظ المحاورة بينهما وكتمها ليشهد بها إن سئل عنها . ثم إن كليلة انصرف إلى منزله ودخلت أم الأسد حين أصبحت على الأسد ، فقالت له : يا سيد الوحوش ، حوشيت « 2 » أن تنسى ما قلت بالأمس . وأنك أمرت به لوقته وأرضيت به رب العباد .
وقد قالت العلماء : لا ينبغي للإنسان أن يتوانى في الجد للتقوى ، بل لا ينبغي أن يدافع عن ذنب الأثيم . فلما سمع الأسد كلام أمه أمر أن يحضر النمر وهو صاحب القضاء ، فلما حضر قال له وللجواس « 3 » العادل : اجلسا في موضع الحكم وناديا في الجند صغيرهم وكبيرهم أن يحضروا وينظروا في حال دمنة ويبحثوا عن شأنه ويفحصوا عن ذنبه ويثبتوا « 4 » قوله وعذره في كتب القضاء . وارفعا إليّ ذلك يوما فيوما .
فلما سمع النمر ذلك والجواس العادل ، وكان هذا الجواس عم الأسد ، قالا : سمعا وطاعة لما أمر الملك . وخرجا من عنده فعملا بمقتضى ما أمرهما به ، حتى إذا مضى من الوقت الذي جلسوا فيه ثلاث ساعات أمر القاضي أن يؤتى بدمنة فأتي به فوقف بين يديه والجماعة حضور .
فلما استقر به المكان نادى سيد الجمع بأعلى صوته : أيها الجمع ، إنكم
هامش
( 1 ) معتقل : مكبل ، مقيد .
( 2 ) حوشيت : مجهول من حاشى ، نزهت .
( 3 ) الجواس : من أسماء الأسد .
( 4 ) يثبتوا : يدونوا .