حقيقا أن يحظى بالحرمان إذ يخطئ الصواب « 1 » في خلوص العمل لغير اللّه وطلب الجزاء من الناس ؟ ولكن عاقبة ما ينبغي أن يعاقب به الفجار يصاب به الأخيار . وهذا الأمر شبيه بشأني لأنني حملني حب الملك ونصحي له وإشفاقي « 2 » عليه أن أطلعه على سر عدوه الخائن .
وإن الملك قد شاهد منه ذلك عيانا وظهرت له العلامات التي ذكرتها له . أفهذا جزائي منه أن أقتل ؟
فلما سمع الأسد ذلك من كلام دمنة ، أمر أن يخرج من عنده حتى ينظر في أمره ليجتهد في الفحص عنه لئلا يعود إلى العجلة والندامة .
فعند ذلك سجد دمنة للأسد شكرا له ودعا له وقال : أيها الملك ، لا تعجل في قتلي ، ولا تسمع في كلام الأشرار ، وليبحث الملك عن أمري حتى يتبين له صدقي . وقد قالت الحكماء : إن النار أخفيت في الحجارة فلا تستخرج منها إلا بالمعالجة والقدح . ولو كنت أعلم لنفسي ذنبا فيما بيني وبين الملك لم أقم بين يديك . وأنا أرغب « 3 » إلى الملك ، إن كان في شك من أمري ، أن يأمر بالنظر فيه ويكون من يتولى ذلك لا تأخذه في اللّه لومة لائم « 4 » ، وإلا فلا ملجأ لي في ذلك إلا اللّه وهو الذي يعلم سرائر العباد وما تكن « 5 » صدورهم . وإن أحق ما رغبت فيه رعية الملك هو محاسن الأخلاق ومواقع الصواب وجميل السير « 6 » ، وإن الباطل قد يتلبس « 7 » بالحق حتى يتشابها كما أصاب الخازن الذي فضح سره بالتلبيس « 8 » عليه . قال الأسد : وكيف كان ذلك ؟
هامش
( 1 ) يخطئ الصواب : لا يصيبه .
( 2 ) اشفاقي : خوفي وحذري .
( 3 ) ارغب اليه : ابتهل واتضرع .
( 4 ) لا تأخذه لومة لائم : لا يخاف فيه اللوم .
( 5 ) تكن : تضمر وتخفي .
( 6 ) السير : جمع سيرة الانسان وهي طريقته التي يسير عليها بين الناس .
( 7 ) يتلبس : يختلط .
( 8 ) التلبيس : الخلط .