وما يؤول إليه أمرهما . وجاء شتربة فدخل على الأسد فرآه مقعيا كما وصفه له دمنة . فقال : ما صاحب السلطان إلا كصاحب الحية التي في صدره ، لا يدري متى تهيج عليه . ثم إن الأسد نظر إلى الثور فرأى الدلالات التي ذكرها له دمنة ، فلم يشك أنه جاء لقتاله ، فواثبه ونشأت بينهما الحرب ، واشتد قتال الثور والأسد وطال ، وسالت بينهما الدماء .
فلما رأى كليلة أن الأسد قد بلغ من القتال ما بلغ ، قال لدمنة :
- أيها الفسل « 1 » ، ما أنكر « 2 » جهلتك وأسوأ عاقبتك في تدبيرك !
قال دمنة : وما ذاك ؟
قال كليلة : جرح الأسد وهلك الثور . وإن أخرق « 3 » الخرق « 4 » من حمل صاحبه على سوء الخلق والمبارزة والقتال ، وهو يجد إلى غير ذلك سبيلا . وإنما الرجل ، إذا أمكنته الفرصة من عدوه ، يتركه مخافة التعرض له بالمجاهرة ، ورجاء أن يقدر عليه بدون ذلك . وإن العاقل يدبر الأشياء ويقيسها قبل مباشرتها « 5 » : فما رجا أن يتم له منها أقدم « 6 » عليه ، وما خاف أن يتعذر « 7 » عليه منها انحرف عنه ولم يلتفت إليه . وإني لأخاف عليك عاقبة بغيك هذا ، فإنك قد أحسنت القول ولم تحسن العمل . أين معاهدتك إياي أنك لا تضر بالأسد في تدبيرك ؟ وقد قيل : لا خير في القول إلا مع العمل ، ولا في الفقه إلا مع الورع ، ولا في الصدقة إلا مع النية ، ولا في المال إلا مع الجود ولا في الصدق إلا مع الوفاء ، ولا في الحياة إلا مع الصحة ، ولا في الأمن إلا مع السرور . وقد شرطت أمرا لا يقدر عليه إلا العاقل الرفيق « 8 » .
هامش
( 1 ) الفسل : الذي لا مروءة له .
( 2 ) ما أنكر : ما أقبح .
( 3 ) أخرق : تفضيل من الخرق وهو عدم احسان التصرف في الأمور .
( 4 ) خرق : جمع خرق .
( 5 ) مباشرتها : الشروع فيها .
( 6 ) أقدم : هجم .
( 7 ) يتعذر : يصعب ويستحيل .
( 8 ) الرفيق : الحاذق ، المحسن للعمل .