وضمّته إلى صدرها وجعلت نحره عند نحرها وأسبلت عليه عبرتها ، ثمّ نادت : « وا محمّداه ! وا عليّاه ! ماذا لقينا بعدكما من الأعداء ؟ ! وا لهفاه على طفل خُضِّب بدمائه ، وا أسفاه على رضيع فطم بسهام الأعداء ، وا حسرتاه على قريحة الجفن والأحشاء » . ثمّ جعلت تقول ، ولعلّه مقول على لسان حالها :
لهف نفسي على صغير أوام * فطمته السّهام قبل الفطامِ
لهف قلبي عليه وهو صريع * جرّعوه نجيعه وهو ظامِ
خضّبوه بدمه وهو طفل * لهف قلبي على قتيل الطّغامِ
أقرحوا قلب والديه عليه * ورموه بذلّة وانتقامِ
ويلكم بيننا وبينكم اللَّه * لدى الحشر عند فصل الخصامِ
الدّربندي ، أسرار الشّهادة ، / 402 - 403
قالت أمّ كلثوم : يا أخي ! إنّ ولدك عبداللَّه ما ذاق الماء منذ ثلاثة أيّام ، فاطلب له من القوم شربة يسقيه ، فأخذه ومضى به إلى القوم ، وقال : يا قوم ! لقد قتلتم أصحابي وبني عمّي وإخوتي وولدي ، وقد بقي هذا الطِّفل ، وهو ابن ستّة أشهر ، يشتكي من الظّماء ، فاسقوه شربة من الماء ، فبينا هو يخاطبهم إذ أتاه سهم فوقع في نحر الطِّفل فقتله ، وقيل :
إنّ السّهم رماه عقبة بن بشير الأزديّ ( لعنه اللَّه ) ، ويقول الحسين رضي الله عنه : اللَّهمّ ! إنّك شاهد على هؤلاء القوم الملاعين ، أنّهم قد عمدوا أن لا يبقون من ذرِّيّة رسولك صلى الله عليه وآله وسلم ، ويبكي بكاءً شديداً وينشد ويقول :
يا ربّ لا تتركني وحيدا * قد أظهروا الفسوق والجحودا
وصيّرونا بينهم عبيدا * يُرضون في فعالهم يزيدا
أمّا أخي فقد مضى شهيدا * مجدّلًا في فدفد فريدا
وأنتَ بالمرصاد يا مجيدا
القندوزي ، ينابيع المودّة ، / 346