مستديرة ، تفتح بأزمة الضّلال ، وتجلس بأهواه الرّجال ، يؤكل جزورها « 1 » ، وتمقّ أحلابها « 2 » فما لنا لا نستأمر في رضاعها « 3 » ونحن فطامها وأولات فطامها ؟ وأيم اللّه لولا عهود مؤكّدة ، ومواثيق معقّدة ، لأقمت أود وليّها ، فأقم الأمر يا ابن أبي سفيان وأهدئ « 4 » من تأميرك الصّبيان ، واعلم أنّ لك في قومك نظرا ، وأنّ لهم على مناوأتك وزرا « 5 » .
فغضب معاوية من كلامه غضبا شديدا ، ثمّ كظم غيظة بحلمه ، وأخذ بيد مروان ، ثمّ قال : إن اللّه قد جعل لكلّ شيء أصلا ، وجعل لكلّ خير أهلا ، ثمّ جعلك في الكرم منّي محتدا ، والعزيز منّي والدا ، اخترت من قروم « 6 » قادة ، ثمّ استللت سيّد سادة ، فأنت ابن ينابيع الكرم ، فمرحبا بك وأهلا من ابن عمّ ذكرت خلفا مفقودين ، شهداء صدّيقين ، كانوا كما نعتّ ، وكنت لهم كما ذكرت ، وقد أصبحنا في أمور مستحيرة ، ذات وجوه مستديرة ، وبك واللّه يا ابن العمّ نرجو استقامة أودها ، وذلولة صعوبتها ، وسفور ظلمتها ، حتّى يتطأطأ جسيمها « 7 » ، ويركب بك عظيمها ، فأنت نظير أمير المؤمنين بعده ، وفي كلّ شدّة عضده .
وإليك عهد عهده ، فقد ولّيتك قومك ، وأعظمنا في الخراج سهمك ، وأنا مجيز « 8 » وفدك ، ومحسن رفدك « 9 » ، وعلى أمير المؤمنين غناك ، والنّزول عند رضاك .
فكان أوّل ما رزق ألف دينار في كلّ هلال ، وفرض له في أهل بيته مئة مئة .
ابن قتيبة ، الإمامة والسّياسة ، 1 / 151 - 153
هامش
( 1 ) - يؤكل جزورها : يؤكل لحمها .
( 2 ) - وتمقّ أحلابها : يشرب لبنها جميعه فلا يترك منه شيء والمراد بالجملتين أنّ معاوية يستأثر بكلّ شيء في الخلافة ولا يترك لمروان منها شيئا .
( 3 ) - يريد مالك لا تأخذ رأينا في الخلافة ونحن قادرون على منع درّها عنك .
( 4 ) - أهدئ : أبطئ وتروّ ولا تتسرّع .
( 5 ) - الوزر : الملجأ والمستعان .
( 6 ) - القروم جمع قرم وهو الشّجاع .
( 7 ) - يتطأطأ جسيمها : حتّى يذلل صعبها .
( 8 ) - مجيز وفدك : معطيهم جوائز .
( 9 ) - الرّفد : العطاء .