وقاتله لعين هذه الأمّة ، ولقد لعن النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، يا بنيّ قاتل الحسين مرارا ، فانظر لنفسك ، ثمّ انظر أن لا يتعرّض له بأذيّة ، فحقّه واللّه يا بنيّ عظيم ، ولقد رأيتني كيف كنت أحتمله في حياتي ، وأضع له رقبتي ، وهو يواجهني بالكلام الّذي يمضني ، ويؤلم قلبي ، فلا أجيبه ولا أقدر له على حيلة ، فإنّه بقيّة أهل الأرض في يومه هذا ، وقد أعذر من أنذر .
قال : ثمّ أقبل [ على ] الضّحّاك : ومسلم بن عقبة ، فقال لهما معاوية : أشهدا على مقالتي هذه ، فو اللّه إن فعل بي الحسين كلّ ما يسوءني لاحتملته أبدا ، ولم يكن اللّه يسألني عن دمه « 1 » ، أفهمت عنّي ما أوصيتك به يا يزيد ؟ فقال : فهمت يا أمير المؤمنين . ثمّ قال معاوية :
انظر في أهل الحجاز ، فهم أصلك وفرعك ، فأكرم من قدم عليك منهم ومن غاب « 2 » عنك ، فلا تجفهم ولا تعقهم ؛ وانظر أهل العراق ، فإنّهم لا يحبّونك أبدا ، ولا ينصحونك ، ولكن دارهم مهما أمكنك « 3 » واستطعت ، وإن سألوك على كلّ يوم أن تعزل عنهم عاملا فافعل ، فإنّ عزل عامل واحد هو أيسر وأخفّ من أن يشهر عليك مائة ألف سيف ؛ وانظر يا بنيّ أهل الشّام ، فإنّهم بطانتك وظهارتك وقد بلوتهم واختبرتهم فهم « 4 » صبر عند اللّقاء حماة في الوغى ، « 5 » فإن رابك أمر « 5 » من عدوّ يخرج عليك « 6 » فانتصر بهم « 6 » ، فإذا أصبت منهم حاجتك ، فارددهم إلى بلادهم يكونوا « 7 » بها إلى وقت الحاجة إليهم .
قال : ثمّ تنفّس معاوية الصّعداء ، وغشي عليه طويلا ، فلمّا أفاق ، قال : آوه آوه
جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً
« 8 » . ثمّ جعل يقول :
إن تناقش يكن نقّاشك يار * بّ عذابا لا طوق لي بالعذاب
أو تجاوز فأنت ربّ رحيم * عن مسيء ذنوبه كالتّراب
هامش
( 1 ) - من د وبر ، وفي الأصل : ذمّه .
( 2 ) - زيد في د : افقد .
( 3 ) - في د : أمنك .
( 4 ) - في د : فلهم .
( 5 - 5 ) في د : فإذا رأوبك أمرا .
( 6 - 6 ) في د : فينصروك .
( 7 ) - في د : ليكونوا .
( 8 ) - سورة 17 وآية 81 .