وهذا يتناسب وما جاء في وقت نزول السورة ، حيث روي : أنها نزلت بعد فتح مكة ، وذكر في حديث آخر : إنها آخر سورة نزلت على الرسول ، فقد جاء في حديث مأثور عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال :
[ أَوَّلُ مَا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيم
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
وَآخِرُهُ
إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ ] « 1 » وقيل :
[ أَنهَا نَزَلَتْ بِمنَى فِي حَجَة الوَدَاع ]
« 2 »
وقد كانت تسمى هذه السورة بسورة التوديع لأنها - حسب الرواية التالية - نعت إلى الرسول نفسه ، هكذا يقول ابن عباس :
[ لَمَّا نَزَلَت
إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ
قَالَ صلى الله عليه وآله نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي بِأَنَّهَا مَقْبُوضَةٌ فِي هَذِهِ السَّنَة ]
« 3 » .
وربما السبب في ذلك أن السورة قد أوحت إليه أن مسؤولية الرسول كمُبلِّغ وداعية إلى الله قد أُكملت ، لذلك كان عليه أن يستعد للرحيل .
[ 2 ] النصر أو الفتح ليسا هدفا بذاتهما عند المؤمنين ، إنما وسيلة إلى هدف أسمى هو هداية الناس إلى نور الرسالة . وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً فعندما تهاوت حجب الضلال ورأى الناس نور الدين فوجدوه دين الفطرة والعقل ، دين الحكمة والسماحة دخلوا فيه فوجا بعد فوج ، يقود كل فوج إمامهم وداعيتهم ، والسابق منهم إليه ، وقد قال المفسرون : أنها نزلت في أهل اليمن الذين توافدوا على النبي صلى الله عليه وآله أفواجا ، تقول الرواية المأثورة عن ابن عباس :
[ أَنَّ النَبي صلى الله عليه وآله قَرَأَ
إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
وَجَاءَ أَهْل اليَمَن رَقِيقَةً أَفْئدَتهُم ، لَينَةً طِبَاعَهُم ، سَخِيةً قُلوبهُم ، عَظِيمةً خَشْيتهُم ، فَدَخَلوا
فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً ] « 4 » . وهكذا انتشر نور الإسلام بعد فتح مكة في كافة أرجاء الجزيرة العربية ، وبدأ المسلمون يتحفزون للانبعاث الكبير في أرجاء الأرض .
وتهدينا بصائر هذه السورة وهدى سيرة النبي صلى الله عليه وآله وعبر تاريخ الحركات الدينية : أن علينا أن نعقد العزم على تحطيم قلاع الكفر المتقدمة قبل نشر الرسالة ، فما دامت تلك القلاع تدافع عن قيم الجهل والتخلف ، وتمنع الناس بالترهيب والتضليل والترغيب عن التغيير والإصلاح ، لا ينفع التبليغ والتبشير كثيرا ، ومن أجل هذا قاتل كثير من الأنبياء والربانيون ، ومن أجل هذا جاهد الرسول الأكرم ، ومن أجل هذا ينبغي أن يجاهد ويقاتل كل مبلغ وداعية من يقف دون انتشار الدين .
هامش
( 1 ) الكافي : ج 2 ، ص 628 .
( 2 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 446 ، بحار الأنوار : ج 27 ص 68 .
( 3 ) بحار الأنوار : ج 21 ، ص 100 .
( 4 ) تفسير القرطبي : ج 20 ، ص 230 .