وهكذا جاء في سبب نزول السورة : [ إن رسول الله صلى الله عليه وآله دخل من باب الصفا ، وخرج من باب المروة فاستقبله العاص بن وائل السهمي ، فرجع العاص إلى قريش ، فقالت له قريش : من استقبلك يا أبا عمرو آنفا ؟ قال ذلك الأبتر ، يريد به النبي صلى الله عليه وآله حتى أنزل الله هذه السورة ] « 1 » .
ونجد في النصوص التي تفسر هذه الكلمة إشارة إلى أهل بيت النبي ، وكيف يذاد عن حوض الكوثر من ظلمهم من بعده . فقد أخرج ابن مردويه عن أنس قال : [ دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله فَقَالَ :
قَدْ أُعْطِيتُ الْكَوْثَرَ .
فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ الله وَمَا الْكَوْثَرُ ! قَالَ صلى الله عليه وآله :
نَهَرٌ فِي الْجَنَّةِ عَرْضُهُ وَطُولُهُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ، لَا يَشْرَبُ أَحَدٌ مِنْهُ فَيَظْمَأَ وَلَا يَتَوَضَّأُ أَحَدٌ مِنْهُ فَيَشْعَثَ أبداً ، لَا يَشْرَبُهُ إِنْسَانٌ أَخْفَرَ ذِمَّتِي وَقَتَلَ أَهْلَ بَيْتِي ]
« 2 » .
ومن هنا ذكر الفخر الرازي هذا القول وأيده ببعض الشواهد . فقال : القول الثالث : الكوثر أولاده ، لأن هذه السورة إنما نزلت على من عابه عليه السلام بعدم الأولاد ، فالمعنى : [ أنه يعطيه نسلًا يبقون على مر الزمان ، فانظر كم قتل من أهل البيت عليهم السلام ثم العالم ممتلئ منهم ، ولم يبق من بني أمية في الدنيا أحد يعبأ به ، ثم انظر كم كان فيهم من الأكابر من العلماء كالباقر والصادق والكاظم والرضا عليهم السلام والنفس الزكية وأمثالهم ] « 3 » .
ويبقى سؤال : هل الكوثر في القيامة حوض كبير في مدخل الجنة أم نهر كريم في عرصاتها ؟ لعل الكوثر نهر يفيض خيره إلى مداخل الجنة ويصب في حوض عظيم . دعنا - في خاتمة الحديث عن الكوثر - نذكر بعض الأحاديث في صفة ذلك النهر والحوض .
جاء في حديث مسند إلى ابن عباس أنه قال : [ لَمَّا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ قَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ :
مَا هُوَ الْكَوْثَرُ يَا رَسُولَ الله ؟
قَالَ صلى الله عليه وآله :
نَهَرٌ أَكْرَمَنِي اللهُ بِهِ ،
قَالَ عَلِيٌّ عليه السلام :
إِنَّ هَذَا النَّهَرَ شَرِيفٌ فَانْعَتْهُ لَنَا يَا رَسُولَ الله ،
قَالَ صلى الله عليه وآله :
نَعَمْ يَا عَلِيُّ الْكَوْثَرُ نَهَرٌ يَجْرِي تَحْتَ عَرْشِ الله تَعَالَى مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضاً مِنَ اللَّبَنِ ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ ، وَأَلْيَنُ مِنَ الزُّبْدِ ، وَحَصَاهُ
[ حَصْبَاؤُهُ ]
الزَّبَرْجَدُ وَالْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ حَشِيشُهُ الزَّعْفَرَانُ تُرَابُهُ الْمِسْكُ الْأَذْفَرُ قَوَاعِدُهُ تَحْتَ عَرْشِ الله عَزَّ وَجَلَّ .
ثُمَّ ضَرَبَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله يَدَهُ فِي جَنْبِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام وَقَالَ صلى الله عليه وآله :
يَا عَلِيُّ إِنَّ هَذَا النَّهَرَ لِي وَلَكَ وَلِمُحِبِّيكَ مِنْ بَعْدِي ]
« 4 » .
وأورد مسلم في صحيحه عن أنس أنه قال : [ بَيْنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله ذَاتَ يَوْمٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا
هامش
( 1 ) الدر المنثور : ج 6 ص 401 .
( 2 ) الدر المنثور : ج 6 ص 402 ، شواهد التنزيل : ج 2 ، ص 487 .
( 3 ) التفسير الكبير : ج 32 ، ص 124 .
( 4 ) بحار الأنوار : ج 8 ص 18 .