[ 33 ] كل ذلك لكي تتوافر فرص الحياة للإنسان والبهائم التي تخدم الإنسان بصورة مباشرة أو غير مباشرة مَتَاعاً لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ أوَليس كل ذلك دليلا على أن لوجودنا حكمة بالغة ، فلماذا ننكر المسؤولية ؟ .
[ 34 ] إن للكفر بيوم المعاد سببًا نفسيًّا هو التمادي في الغفلة ، والقرآن يخرق بآياته الصاعقة حجب الغفلة لمن تدبر فيها . فَإِذَا جَاءَتْ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى فأي شيء ينقذنا من تلك الطامة ؟ هل الغفلة تبرر عدم الإعداد لها ؟ والطامة من الطم بمعنى ردم الفجوة ، وتسمى المآسي المروعة بها لأنها تملا النفس رعبا أو لأنها قد بلغت منتهى المأساة . والقرآن يضيف كلمة الْكُبْرَى لعلنا نتصور تلك الساعة التي ثقلت في السماوات والأرض ونحن عنها غافلون .
[ 35 ] في ذلك اليوم يمر شريط أعمال المرء أمام عينيه . أوليس يرى جزاء كل صغيرة وكبيرة من أعماله ؟ أولا يقرؤها في طائره الذي عُلِّق في رقبته ، فلا أحد يستطيع التكذيب أو الفرار من مغبة أعماله ؟ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى وفي يوم القيامة تتساقط الحجب من عين الإنسان وعقله فإذا هو يتذكر وباستمرار كل مساعيه .
[ 36 ] كما أن الجحيم التي هي معتقل الطغاة والمجرمين تبرز أمام الجميع بما فيها من نيران تكاد تتميز من الغيظ ، ومن عقارب وحيات تتربص بالقادمين ، ومن شياطين وعفاريت ينتظرون الفتك بقرنائهم . وَبُرِّزَتْ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى فكل ذي عين بصيرة يرى الجحيم بلا حجاب ، فيكون المذنبون في حسرة عظمى وخوف لا يوصف .
[ 37 ] هنالك الجزاء الأوفى للطغاة ، الذين كفروا بالنشور ، وأغرقوا في شهوات الدنيا ، ولم يخافوا ربهم . فَأَمَّا مَنْ طَغَى وأعظم الطغيان مخالفة القيادة الشرعية ، فقد جاء في الحديث المأثور عن الإمام علي عليه السلام :
[ ومَنْ طَغَى ضَلَّ عَلَى عَمْدٍ بِلَا حُجَّةٍ ]
« 1 » . وإنما تطغى النفس باتباع الهوى لأنه يصد الإنسان عن الحق ، قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام :
[ إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَانِ اتِّبَاعُ الْهَوَى وطُولُ الْأَمَلِ فَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ وأَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَيُنْسِي الْآخِرَةَ ]
« 2 » .
[ 38 ] وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فقدمها على الآخرة .
[ 39 ] فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى إنها النهاية التي اختارها بنفسه ، ويبدو أن هذه الجملة هي جواب إِذَا الشرطية في قوله : جَاءَتْ الطَّامَّةُ كما هي جواب لقوله : فَأَمَّا مَنْ طَغَى فيكون
هامش
( 1 ) الكافي : ج 2 ، ص 393 .
( 2 ) نهج البلاغة : الخطبة : 42 .