يوقدها الإنسان في بيته فتحرقه ، أو ثمرة يغرسها في أرضه فيتمتع بثمراتها .
الثاني : الجزاء الذي يقدِّره الرب للصالحين في الجنة من فضله ويحسب الحسنة بعشرة . والآية التالية تشير إلى النوع الأول : « إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً » فهذه كانت مركز رصد ومرتع الجزاء في الآخرة . إنها سنة إلهية ونظام مقدر لن يفلت منها من يكذب بها ، قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام :
ولَئِنْ أَمْهَلَ ( الله ) الظَّالِمَ فَلَنْ يَفُوتَ أَخْذُهُ وهُوَ لَهُ بِالْمِرْصَادِ عَلَى مَجَازِ طَرِيقِهِ وبِمَوْضِعِ الشَّجَا مِنْ مَسَاغِ رِيقِهِ ]
« 1 » .
[ 22 ] والطغاة الذين يتجاوزون حدهم ، ولا يتجنبون ما يقربهم إلى النار ، سوف يعودون إلى النار التي صنعوها بأفعالهم « لِلْطَّاغِينَ مَآباً » ولعل كلمة مآب توحي بأنهم سبب إيقاد النار التي عادوا إليها ، لأنها منزلهم الذي بنوه ووطنهم الذي اختاروه لأنفسهم .
[ 23 ] كم يبقون في هذه النار ؟ « لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً » جاء في روايات أهل البيت أن الآية تخص المذنبين الذين يقضون في النار فترة من الوقت بقدر ذنوبهم « 2 » ، وعلى هذا فمعنى الأحقاب الدهور المتتالية أو السنين المتلاحقة . وقال بعض المفسرين : معنى الآية أنهم يلبثون في النار أحقابا متتالية لا تنقطع ، فكلما مضى حقب أدركهم حقب آخر . قالوا : وإنما استعاضت الآية بالأحقاب عن السنين لأنها أهول في القلوب وأدل على الخلود ، وإنما كان الحقب أبعد شيء عندهم ، وقالوا : الحقب ثمانون سنة . وإذا كانت السنة ثلاث مئة وخمسة وستين يوما وكان اليوم في الآخرة كألف سنة مما نعده من سني الدنيا فلك أن تتصور أيام الطغاة في جهنم ! وجاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال :
لَا يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ دَخَلَهَا حَتَّى يَمْكُثَ فِيهَا أَحْقَاباً وَالْحُقْبُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ سَنَةً وَالسَّنَةُ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَسِتُّونَ يَوْماً كُلُّ يَوْم
« كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ »
فَلَا يَتَّكِلَنَّ أَحَدٌ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ مِنَ النَّار ]
« 3 » .
[ 24 ] خلال هذه الأحقاب المتتالية والدهور المتطاولة لا يجد الطغاة هنالك سوى العذاب الذي لا يفتر عنهم أبدا « لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً » فلا يجدون طعم البرد وبرد الشراب ، ولا لحظة واحدة ولا بقدر بسيط . قالوا :
البرد هنا بمعنى النوم ، واستشهدوا بما تقوله العرب : منع البرد البرد ، أي منع النوم البرد ]
« 4 » ، وقال بعضهم :
بل هو عَامٌّ يشمل برد
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : خطبة : 97 .
( 2 ) روى العلامة المجلسي في البحار : ج 8 ص 295 عَنْ حُمْرَانَ بْنِ أَعْيَنَ قَالَ : (
سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ الله عليه السلام : عَنْ قَوْلِ الله :
« لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً ( 23 ) لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً ( 24 ) إِلَّا حَمِيماً »
قَالَ عليه السلام :
هَذِهِ فِي الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ ]
. ( 3 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 540 ، بحار الأنوار : ج 8 ، ص 276 .
( 4 ) تفسير القرطبي : ج 19 ، ص 180 .