النفس والشيطان .
( 19 - 13 ) ويفصِّل القرآن في بيان نعيم جنة الآبرار تشويقا لنا في الرغبة إليها والعمل على الفوز بها « مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ » جمع أريكة ، وهي الأَسِرَّة المحشوة على أفضل وجه . « لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً » والشمس كناية عن الحر ، أما الزمهرير فهو البرد الشديد ، قال الإمام الرضا عليه السلام :
إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يَجْرِيَانِ بِأَمْرِهِ مُطِيعَانِ لَهُ ضَوْؤُهُمَا مِنْ نُورِ عَرْشِهِ وَحَرُّهُمَا مِنْ جَهَنَّمَ ، فَإِذَا كَانَتِ الْقِيَامَةُ عَادَ إِلَى الْعَرْشِ نُورُهُمَا وَعَادَ إِلَى النَّارِ حَرُّهُمَا فَلَا يَكُونُ شَمْسٌ وَلَا قَمَر ]
« 1 » ، فالجنة إذن مكيفة أجواؤها بربيع دائم .
« وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا » ليس لأن فيها شمسًا وحرًّا ، بل هي كناية عن تناسب أشجار الجنة وحالة الرفاه المهيأة لأهلها بحيث تغطي فوقهم . ولكنها في الوقت نفسه قريبة ثمارها إليهم ، ميسرة عليهم تناولها « وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا » والمفعول المطلق « تَذْلِيلًا » يفيد التأكيد والمبالغة ، أي إنها مذللة أيما تذليل ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله :
مِنْ قُرْبِهَا مِنْهُمْ يَتَنَاوَلُ الْمُؤْمِنُ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَشْتَهِيهِ مِنَ الثِّمَارِ بِفِيهِ وهُوَ مُتَّكِئٌ ، وإِنَّ الْأَنْوَاعَ مِنَ الْفَاكِهَةِ لَيَقُلْنَ لِوَلِيِّ الله : يَا وَلِيَّ الله كُلْنِي قَبْلَ أَنْ تَأْكُلَ هَذَا قَبْلِي ]
« 2 » .
وحيث تغمر الأبرار فرحة الفوز والبهجة بما في حياتهم من النعيم يتقدم إليهم خدمهم من الولدان بأواني وأكواب في غاية الروعة معدنا ومنظرا وشرابا « وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ » ولعل الآنية المطاف بها هي التي ينقل الولدان فيها أكواب الشراب ، أو التي يكون فيها الشراب الذي يصب في الأكواب بعدئذ ، أو هي أواني الأكل والفواكه التي يحملها الولدان إلى أولياء الله عز وجل . والأكواب هي الكؤوس التي لها مقبض وعروة ، وفي صنعتها الرائعة تتجلى قدرة الله وكرامته لأوليائه . « قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ » قال الإمام الصادق عليه السلام :
يَنْفُذُ الْبَصَرُ فِي فِضَّةِ الْجَنَّةِ كَمَا يَنْفُذُ فِي
الزُّجَاج ]
« 3 » ، وعن قتادة قال :
صفاء القوارير في بياض الفضة ]
« 4 » وقال ابن عباس :
لو أخذت فضة فضربتها حتى جعلتها مثل جناح الذباب لم ير الماء من ورائها ، ولكن قوارير الجنة بياض الفضة في صفاء القوارير ]
« 5 » . ولن يستطيع بشر تصور شيء من نعيم الجنة على حقيقتها أبدا .
هامش
( 1 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 343 ، بحار الأنوار : ج 7 ص 120 .
( 2 ) الكافي : ج 8 ، ص 99 .
( 3 ) بحار الأنوار : ج 8 ، ص 111 ، تفسير القمي : ج 2 ، ص 399 .
( 4 ) الدر المنثور : ج 6 ، ص 300 .
( 5 ) المصدر السابق : ص 300 .