ولقد فسر أئمة الهدى هذه الآية عدة تفاسير مما كشف عن أبعادها المتنوعة ، فعن مالك الجهني قال :
سألت أبا عبد الله الإمام الصادق عليه السلام عَنْ قَوْلِهِ :
« هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً » فَقَالَ :
كَانَ مُقَدَّراً غَيْرَ مَذْكُورٍ ]
« 1 » ، وعن زرارة قال :
سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عز وجل :
« هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً » فقال :
كَانَ شَيْئًا وَلَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا ]
« 2 » ، وعن الباقر عليه السلام قال :
كَانَ مَذْكُوراً فِي الْعِلْمِ وَلَمْ يَكُنْ مَذْكُوراً فِي الْخَلْق ]
« 3 » . وهكذا روايات أخرى كثيرة تهدينا إلى أن الإنسان يمر قبل وجوده المادي في الحياة بمرحلتين هما :
الأولى : عالم التقدير في علم الله .
الثانية : عوالم النشأة ، مثل عالم الأشباح ( الأرواح ) ، عالم الذر ، عالم الأصلاب ، ثم عالم الأرحام ، فعالم الدنيا ، وفي تلك العوالم وقبل عالم الدنيا كان الإنسان شيئا - في علم الله - ولم يكن مذكورا عند الخلق لضآلته المتناهية .
« إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ » أي مختلطة ، قال الإمام الباقر عليه السلام حول كلمة أمشاج :
مَاءُ الرَّجُلِ وَمَاءُ الْمَرْأَةِ اخْتَلَطَا جَمِيعا ]
« 4 » ، كما أنها مختلطة من الناحية المعنوية إذ تحمل الصفات الوراثية والنفسية والشكلية من الطرفين بما يمثلانه من امتداد في التاريخ والمجتمع كالأجداد والآباء والأخوال ، وقد أشار الإمام علي عليه السلام إلى هذا المعنى إذ وصف الإنسان بقوله :
ومَحَطِّ الْأَمْشَاجِ مِنْ مَسَارِبِ الْأَصْلَابِ ]
« 5 » ، ومن ناحية ثالثة يعيش الإنسان ثنائية هامة ، فهو في البداية خليط من تطلعات الفطرة والعقل والإيمان ، وشهوات الهوى والجهل والجحود ، بين جنود الرحمن ، وأعوان الشيطان .
وهكذا كل شيء في الإنسان يحتمل نزعتين ، وصبغتين ، ومنهجين ، ووجهتين : الحق والباطل ، الله أو الشيطان ، العقل أو الجهل ، الإيمان أو الجحود ، الجنة أو النار ، ويبدو أن هذه الثنائية أقرب إلى كلمة الأمشاج لأن شأن الثنائيات ( الاختلاط بين ماء الرجل وماء المرأة ، أو بين مختلف العوامل الوراثية من الآباء والأمهات ) مقدمة
لهذه الثنائية ، ويدل على ذلك بيان حكمة الابتلاء بعد بيان الثنائية . « نَبْتَلِيهِ » ولا يصدق الابتلاء في حياة الإنسان حتى يكون مختارا ، وذلك بأن تكون خلقته خليطا من نزعتين وتطلعين : أحدهما الخير والآخر الشر . ومن
هامش
( 1 ) الكافي : ج 1 ، ص 147 .
( 2 ) المحاسن : ج 1 ، ص 243 .
( 3 ) بحار الأنوار : ج 57 ، ص 328 .
( 4 ) بحار الأنوار : ج 57 ، ص 376 .
( 5 ) بحار الأنوار : ج 54 ، ص 112 .