وتهدينا الآية إلى أمرين :
الأول : إذا كان ثمة سبيل للمخلوقين يطلعون بسببه على الغيب فإنه ليس الجن ولا غيرهم لأنهم لا يعلمونه ، إنما ينبغي لهم الاستعاذة بالله وطلبه عند رسله وأوصيائه المرضيين عنده .
الثاني : خطأ ما زعمه البعض من أن أحدا لا يعلم الغيب البتة ، فإنه يعلمه من ارتضاه الله لغيبه وبقدر ما يُعلِّمه الله بصريح النص . قال الإمام علي عليه السلام وهو يتحدث عن الناس :
وَأَلْزَمَهُمُ الْحُجَّةَ بِأَنْ خَاطَبَهُمْ خِطَاباً يَدُلُّ عَلَى انْفِرَادِهِ وَتَوَحُّدِهِ وَبِأَنَّ لَهُ أَوْلِيَاءَ تَجْرِي أَفْعَالُهُمْ وَأَحْكَامُهُمْ مَجْرَى فِعْلِهِ ، فَهُمُ الْعِبَادُ الْمُكَرَّمُونَ الَّذِين
« لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ » [ الأنبياء : 27 ]
هُمُ الَّذِين
« وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ » [ المجادلة : 22 ]
وَعَرَّفَ الْخَلْقَ اقْتِدَارَهُمْ عَلَى عِلْمِ الْغَيْبِ بِقَوْلِه :
« عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً ( 26 ) إِلَّا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ »
وَهُمُ النَّعِيمُ الَّذِي يَسْأَلُ الْعِبَادَ عَنْهُ لِأَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْعَمَ بِهِمْ عَلَى مَنِ اتَّبَعَهُمْ مِنْ أَوْلِيَائِهِمْ .
قَالَ السَّائِلُ : مَنْ هَؤُلَاءِ الْحُجَجُ ؟ قَالَ عليه السلام :
هُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وَمَنْ حَلَّ مَحَلَّهُ مِنْ أَصْفِيَاءِ اللهِ الَّذِينَ قَرَنَهُمُ اللهُ بِنَفْسِهِ وَبِرَسُولِهِ ، وَفَرَضَ عَلَى الْعِبَادِ مِنْ طَاعَتِهِمْ مِثْلَ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنْهَا ( من الطاعة ) لِنَفْسِه ]
« 1 » .
ويبين الله الهدف من اطلاع رسله المرضيين على الغيب ، وسلك الرُّصُد من بين أيديهم ومن خلفهم ، ألا وهو كونه مما يقتضي تبليغ الرسالة ويخدم مصلحتها « لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ » . والآية تهدينا إلى أن الرسالة جزء من ذلك الغيب الذي يُظهر عليه من يرسلهم بها ، وأن اطلاعهم على بعض الغيب لدليل على كونهم رسل رب العالمين ، مما يُقيم الحجة على العقلاء ويفرض اتباعهم عليهم ، فذلك إذن مما يعينهم في إبلاغ الرسالة من جهة ، وإقامة الحجة الداعية إلى تبليغها على الأنبياء أنفسهم بحيث لا يبقى لهم عذر لو قصَّروا حاشاهم .
« وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ » إحاطة عامة شاملة « وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً » أي إحاطة مفصلة بالأرقام والدقائق ، وحيث يفعل الله شيئا فإن فعله يرتكز على العلم والحكمة ، وإنما يطلع بعض رسله على الغيب لإحاطته بهم ومعرفته بصلاح ذلك وضرورته .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 90 ، ص 118 .