قال : فَالْتَفَتَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عليه السلام فَقَالَ : مَا تَقُولُ فِي هَذَا يَا أَبَا جَعْفَرٍ ؟ قَالَ عليه السلام :
قَدْ تَكَلَّمَ الْقَوْمُ فِيهِ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ ،
قَالَ : دَعْنِي مِمَّا تَكَلَّمُوا بِهِ أَيُّ شَيْءٍ عِنْدَكَ ؟ قَالَ عليه السلام :
اعْفُنِي عَنْ هَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ،
قَالَ : أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ بِالله لَمَّا أَخْبَرْتَ بِمَا عِنْدَكَ فِيهِ فَقَالَ عليه السلام :
أَمَّا إِذْ أَقْسَمْتَ عَلَيَّ بِالله إِنِّي أَقُولُ : إِنَّهُمْ أَخْطَئُوا فِيهِ السُّنَّةَ ، فَإِنَّ الْقَطْعَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَفْصِلِ أُصُولِ الْأَصَابِعِ فَيُتْرَكُ الْكَفُّ ،
قَالَ : لِمَ ؟ .
قَالَ عليه السلام :
لِقَوْلِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله : السُّجُودُ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ : الْوَجْهِ والْيَدَيْنِ والرُّكْبَتَيْنِ والرِّجْلَيْنِ ، فَإِذَا قُطِعَتْ يَدُهُ مِنَ الْكُرْسُوعِ أَوِ الْمِرْفَقِ لَمْ يَبْقَ لَهُ يَدٌ يَسْجُدُ عَلَيْهَا ، وقَالَ الله تَبَارَكَ وتَعَالَى :
« وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ »
يَعْنِي بِهِ هَذِهِ الْأَعْضَاءَ السَّبْعَةَ الَّتِي يَسْجُدُ عَلَيْهَا
« فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً »
ومَا كَانَ لِله لَمْ يُقْطَعْ . قَالَ فَأَعْجَبَ الْمُعْتَصِمَ ذَلِكَ فَأَمَرَ بِقَطْعِ يَدِ السَّارِقِ مِنْ مَفْصِلِ الْأَصَابِعِ دُونَ الْكَفِّ . قال ابن أبي داود : قامت قيامتي ، وتمنيت أني لم أك حيا ]
« 1 » .
ونستفيد من الآية بصيرة عملية وهي حرمة جعل المساجد محلا لدعوة غير الله ، واستخدامها بغير غرض العبادة له عز وجل ، كالدعوات الانتخابية ، الحزبية وما أشبه . ومن الفوارق الأساسية بين دعوة أولياء الله ( رسله وأنبيائه ومن يسير على نهجهم ) وبين الدعوات البشرية كالكهانة والسحر والفلسفات المنحرفة أنهم لا يبحثون عن التيار الاجتماعي ليسبحوا معه ، إنما يهمهم العمل بالحق مهما كان ذلك مخالفا لتوجهات المجتمع ، في حين نجد الكهنة والسحرة ومن أشبه يسيرون في ركاب السلاطين ، وأصحاب النفوذ في المجتمع ، ويخشون من الاصطدام مع الواقع . فالرساليون لا يعرفون المداهنة والمساومة ، بل ينهضون لتغيير الواقع الفاسد ، ويصطدمون مع كل قيمة منحرفة بغض النظر عن العواقب ما دام الأمر يرضي الله ، فإذا بواحدهم كإبراهيم - بل هكذا كل واحد منهم - يقف أمة لوحده في قبالة مجتمع بكامله وقد تظاهر عليه وتلبد كما تتلبد الغيوم بعضها مع البعض الآخر .
« وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ » أي يدعو ربه نابذا كل الأفكار والقيم الشركية الضالة « كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً » قال الشيخ الطوسي :
جماعات متكاتفات بعضها فوق بعض ، ليزيلوه بذلك عن دعوته بإخلاص الإلهية ]
« 2 » . ولعل في الآية إشارة من بعيد إلى تظاهر المشركين من الإنس ومن الجن مع بعضهم ضد داعية الحق ، ولكن ذلك ليس بالذي يثني الأنبياء والرسل ولا بالذي يفلُّ عزائمهم وعقائدهم
الراسخة ، فقد وقف نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وكما أمره الله متحديا جبهة الضلال المتلبدة ضده ، ومعلنا بأنه لن يغيِّر مسيرته ، ولن يتنازل عن قيمه وأهدافه
هامش
( 1 ) تفسير العياشي : ج 1 ، ص 319 ، بحار الأنوار : ج 50 ، ص 5 .
( 2 ) التبيان : ج 10 ، ص 155 .