وهكذا ترد الكلمة عند الحديث عن الصفات الذاتية للإنسان أو يُخاطب الإنسان بوصفه نوعه وهويته الإنسانية .
الثانية : إن المفسرين اختلفوا في معنى الخلق في الآية ، وجرى بينهم بحث كلامي وفلسفي حول صفة الهلع كيف خلقها الله وهي ذميمة أم هي صفة يوجدها الإنسان في شخصيته بنفسه ؟ فصاحب التبيان أكد كونها من فعله تعالى فقال :
وإنما جاز أن يخلق الإنسان على هذه الصفة المذمومة لأنها تجري مجرى خلق شهوة القبيح ليجتنب المشتهى ، لأن المحنة في التكليف لا تتم إلا بمنازعة النفس إلى القبيح ليجتنب على وجه الطاعة لله تعالى ، كما لا يتم إلا بتعريف الحسن من القبيح في العقل ليجتنب أحدهما ويفعل الآخر ]
« 1 » .
وفي التفسير الكبير
: قال القاضي قوله تعالى : الآية ) نظير لقوله :
« خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ »
وليس المراد أنه مخلوق على هذا الوصف ، والدليل عليه أن تعالى ذمه عليه ، والله تعالى لا يذم فعله ، ولأنه تعالى استثنى المؤمنين الذين جاهدوا أنفسهم في ترك هذه الخصلة المذمومة ، ولو كانت هذه الخصلة ضرورية حاصلة بخلق الله تعالى لما قدروا على تركها ]
« 2 » ، وعلَّق الفخر الرازي مفصلا بأن :
الهلع واقع على أمرين :
الأول : نفسي باطن .
الثاني : فعلي ظاهر ، وهو يدل على ما خفي . .
وقال :
أما تلك الحالة النفسانية فلا شك أنها تحدث بخلق الله تعالى ، فهي مخلوقة على سبيل الاضطرار ( والجبر ) ، والأفعال الظاهرة من القول والفعل يمكنه تركها والإقدام عليها ، فهي أمور اختيارية ]
« 3 » .
والظاهر أن صفة الهلع صفة ذاتية مركوزة في الطبائع الأولية للإنسان كقابليات متراوحة بين الفجور والتقوى ، وإنما يبينها الله ويذمها لكي يعرفنا بها ويحذرنا منها فنجتنبها ، وليس في ذلك شيء من الجبر لأن الله سبحانه قد خلق الإنسان في أحسن تقويم إلا أن ذاته المرتكزة في الجهل والجهالة والضعف والعجلة وما أشبه لم تتغير . أرأيت الذي يشعل شمعة في الليل فتضيء ما حولها يحمد عليها ولا يذم على الظلام المحيط لأنه ليس من صنعه ، وهكذا تركب الإنسان من صنفين : النور ( من الله ) والظلام ( من نفسه ) ، قال ربنا سبحانه : « مَا أَصَابَكَ مِنْ
هامش
( 1 ) التبيان : ج 10 ، ص 121 .
( 2 ) التفسير الكبير للرازي : ج 30 ، ص 128 .
( 3 ) التفسير الكبير للرازي : ج 30 ، ص 129 .