( 44 - 47 ) ونعود للآيات الكريمة حيث تؤكد أمانة الرسول وصحة الرسالة ، بنفي أي إضافة منه صلى الله عليه وآله إليها نفيا قاطعا ، مما يهدينا إلى حقانية الحق ، وأن الله يفرضه على الإنسان فرضا دون أن يتساهل حتى مع حبيبه وأقرب خلقه إليه النبي محمد صلى الله عليه وآله . « وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ » ، قال الزمخشري : (
التقوُّل افتعال القول كأن فيه تكلُّفا ، من المفتعل ، وسميت الأقوال المتقوَّلة أقاويل تصغيرا بها وتحقيرا ، كقولك : الأعاجيب والأضاحيك ، كأنها جمع أفعولة من القول ]
« 1 » ، والمعنى : (
ولو نسب إلينا قولا لم نقله ]
« 2 » ، والافتراض هنا افتراض جدلي يفيد أن النبي صلى الله عليه وآله لم يتقول - حاشاه - إذ لم نر الوعيد الإلهي تحقق في هذا الشأن . والآية تزكية للرسول ليس فيما يتصل بالقرآن وحسب بل في كل نطقه وكلامه . وهذه الشهادة الإلهية البينة آية على عصمة نبينا صلى الله عليه وآله ، وأن سنته كالقرآن ليست من أهوائه إنما هي بعلم الله وحكمته أجراها على لسانه .
« لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ » معنويًّا بسلب سمة النبوة منه ، وماديًّا بمجازاته أشد الجزاء ، لأن خطأ الإنسان يكون أفظع وأسوأ كلما كان في موقع أهم ، وهذا ما يجعل ثواب نساء النبي وعقابهن مضاعفا عند الله . ولعمري إنه إنذار ووعيد لكل من يخون أمانة الله ، وبالذات أولئك الذين حملهم مسؤولية الرسالة . . أعني العلماء ، فيا ويل الذين يفترون منهم الكذب ، ويحرفون الكلم عن مواضعه . وقد اختُلف في الأخذ باليمين ، فقال جماعة :
إنه كناية عن الأخذ الشديد باعتبار اليمين رمز القدرة ]
، وقال آخرون :
إنه أخذ القوة منه أي سلبنا منه القوة ]
« 3 » ، لأن القوة في اليمين ، فإذا أخذت انتفت ، وفي المجمع :
لأخذنا بيده التي هي اليمين على وجه الإذلال ، كما يقول السلطان : يا غلام خذ بيده ، فأخذها إهانة ، وقيل : معناه لقطعنا يده اليمنى ]
« 4 » ، ويبدو لي أنه الأخذ الشديد ، وأخذ الله دائما يكون شديدا . أما كيف يأخذ الله ؟ فذلك من شأنه .
« ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ » في الدر المنثور : عرق القلب ( عن ابن عباس ) ، وعن عكرمة قال :
نياط القلب ]
« 5 » ، وفي بعض كتب اللغة : عرق في القلب يجري منه الدم إلى العروق كلها ، والمهم أنه العرق
الذي لو قطع لما بقي الإنسان حيا . . ولو أخذ الله أحدا بيمينه فقطع منه الوتين فمن يستطيع أن يمنع عنه إرادة الله ؟
« فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ » أي مانعين يمنعون نفاذ أمر الله في شأنه . والآية قمة في
هامش
( 1 ) الكشاف : ج 4 ، ص 607 .
( 2 ) التفسير الكبير للرازي : ج 30 ، ص 118 .
( 3 ) التفسير الكبير : ج 30 ، ص 118 .
( 4 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 442 .
( 5 ) الدر المنثور : ج 6 ، ص 263 .