يحاسبني وهو الله وسأجازى ، لأن ما بعد الحساب هو المقصود لذاته . والمعنى أن كل ما تقرؤونه في الكتاب من الصالحات هو ثمرة لشجرة الإيمان بالآخرة ، ونبتة جذرها يعود إلى ذلك .
وفي معنى الظن اختلفت تعابير المفسرين ، فقال الزمخشري وتابعه الفخر الرازي :
أي علمت ، وإنما أجري الظن مجرى العلم لأن الظن الغالب يقوم مقام العلم في العادات والأحكام ، ويقال
: أظن ظنا كاليقين أن الأمر كيت وكيت ) ) « 1 »
وهو ضعيف ، لأن فيه تضعيف لكون الظن هنا بمعنى العلم واليقين الذي ذهب إليه أغلب المفسرين وهو الأقرب ودلت عليه النصوص ، قال الإمام علي عليه السلام وقد سأله رجل عما اشتبه عليه في القرآن :
وأما قوله :
« إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ »
وقوله :
« يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمْ اللَّهُ دِينَهُمْ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ »
وقوله للمنافقين :
« وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ »
فإن قوله :
« إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ »
يَقُولُ : إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي أُبْعَثُ فَأُحَاسَبُ لِقَوْلِهِ :
« مُلاقٍ حِسَابِيَهْ »
، وَقَوْلِهِ لِلْمُنَافِقِينَ :
« وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ »
فَهَذَا الظَّنُّ ظَنُّ شَكٍّ فَلَيْسَ الظَّنُّ ظَنَّ يَقِينٍ ، وَالظَّنُّ ظَنَّانِ : ظَنُّ شَكَّ وَظَنُّ يَقِينٍ ، فَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ مَعَادٍ مِنَ الظَّنِّ فَهُوَ ظَنُّ يَقِينٍ ، وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا فَهُوَ ظَنُّ شَكٍّ ]
« 2 » .
ويبدو لي أن الظن في هذه الآية مرحلة متقدمة من العلم واليقين ، لأنه بمعنى الاستحضار والتصور ، فإن المؤمنين المتقين ليركزون الفكر في أمر الآخرة ويتخيلون مشاهدها الغيبية قائمة في الشهود أمام أعينهم ، فتارة يتصورون الجنة وما فيها من النعيم ، وأخرى يتصورون النار وما فيها من شديد العذاب ، مما يزرع فيهم الخوف والرجاء ، بل ويرون الجنة والنار بكل وضوح في الأعمال الدنيوية . وإن يقين المؤمنين بوجوب الحساب يجعلهم يتحركون في الحياة على أساس ذلك ، فإذا بهم يحاسبون أنفسهم ويسعون جهدهم أن تكون صحائفهم منورة بالصالحات ، فلغتهم في الحياة لغة رياضية ذات حسابات دقيقة في علاقاتهم ، وأوقاتهم ، وجهودهم ، وإنفاقهم .
( 21 - 23 ) ويبين الوحي جانبا من نعيم كل صاحب يمين فيقول : « فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ » أي كاملة لا يعتريها نقص ولا عيب ، فإن الرضا لا يحصل إلا إذا وجد الإحساس بالكمال وعدم النقص ، وكون المؤمن في عيشة راضية دليل على بلوغه قمة الرضا لأن رضا المحيط والعيشة جزء من رضاه ويعززه ،
فليس ثمة في محيطه شيء ولا أحد غير راضٍ يبعث في نفسه عدم الرضا والراحة النفسية ، فنعيم الجنة وحورها وكل شيء فيها ليفرح بالمؤمن ويرضى به . وفي الآية فكرة عميقة وهي : أن المؤمن أين ما حل يحبه المحيط ، وتستأنس به الحياة ، لأنه
هامش
( 1 ) الكشاف : ج 4 ص 603 ، الرازي : ج 30 ص 111 .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 90 ، ص 140 .