خرجت عن التقدير والتدبير ، كذلك تجاوز الخطر عن النبي هود والذين آمنوا معه ( حيث كانت تمر عليهم كالنسيم ) دليل على أنها كانت مسخرة مدبرة .
ونتساءل : لماذا لم يجعل الله الريح لحظة واحدة وهو قادر على إهلاكهم بها ؟ ربما صيَّرها الله سبع ليال وثمانية أيام لأنه أبلغ أثرا في نفوس المعذَّبين حيث المدة أطول ، كما أنه أفضل موعظة في قلوب المؤمنين والمعاصرين لهم ، وأشد تحذيرا للاحقين ، ولعل في ذلك إشارة عبر التاريخ إلى مدى تحصنهم وأسباب البقاء التي كانت في حضارتهم ، قال الطبرسي في مجمع البيان :
الحسوم : المتوالية ، مأخوذة من حسم الداء بمتابعة الكي عليه ، فكأنه تتابع الشر عليهم حتى استأصلهم ، وقيل : هو من القطع ، فكأنها حسمتهم حسوما ، أي أذهبتهم وأفنتهم ، وقطعت دابرهم ]
« 1 » ، وسمي السيف حاسما :
لأنه يحسم الأمر ويقطعه ( ويقطع المضروب به ]
« 2 » .
« فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ » أي في تلك الأيام والليالي ، أو في قراهم ، وحيث وقعوا صرعى فهم أشبه ما يكونون بجذوع النخل المنتشرة على الأرض والخالية بالنخر من داخلها فهي لا تنفع لبناء ولا لغيره « 3 » . والمنظر صورة للحديث الشريف :
مَنْ أَبْدَى صَفْحَتَهُ لِلْحَقِّ هَلَكَ ]
« 4 » ، والآخر
مَنْ صَارَعَ الْحَقَّ صَرَع ]
« 5 » ، وإنها لعاقبة كل من يكذب بالحق ويتنكب عن طريقه .
واللطيف في تعبير القرآن مخاطبته المباشرة للرسول صلى الله عليه وآله ومن خلاله كل تالٍ للآيات ، حيث يقول : « فَتَرَى » ، وذلك أن الله لا يريد من نقل القصص مجرد المعرفة أو التسلية ، بل يريد من سامعها الاتعاظ والاعتبار ، والذي يتم بتخيل القصص ومشاهدها والحضور في أحداثها وخلفياتها ، وبعبارة أخرى : أن يكون الإنسان نفسه شاهدا عليها ، ولا شك أن القلب والعقل أعظم شهادة وحضورا ، والإنسان قادر على الحضور بهما ، ورؤية حتى الماضي والمستقبل ، فالخطاب هنا موجه للأذن الواعية . ثم يؤكد ربنا بالتساؤل : إن قوم عاد أهلكوا جميعا ، فلم يبق منهم أحد « فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ » قيل :
لم يبق لهم أثر
من نفس وغيرها ، وقيل : بل المعنى لا ترى من نفس باقية فقط ]
« 6 » وهكذا حصروا الهلاك في النفوس لقوله تعالى عن قوم عاد : « فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ » [ الأحقاف : 25 ] ، وهذا هو الأقرب . إذن
هامش
( 1 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 434 .
( 2 ) التحقيق في كلمات القرآن : مادة حسم ، ج 2 ، ص 221 .
( 3 ) مر بيان مفصل في معنى « أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ » في الآية 20 من سورة القمر فراجع .
( 4 ) الكافي : ج 8 ، ص 67 .
( 5 ) بحار الأنوار : ج 2 ، ص 143 .
( 6 ) الدر المنثور والكشاف والرازي .