أنزل الله
« وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ » ] « 1 » ، وهذه بعض أخلاقه صلى الله عليه وآله :
كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله حَيِيّاً لَا يُسْأَلُ شَيْئاً إِلَّا أَعْطَاهُ ]
« 2 » ، وكان يقول لأصحابه :
لَا يُبْلِغْنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ عَنْ أَصْحَابِي شَيْئاً فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْر ]
« 3 » ،
وكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله أَجْوَدَ النَّاسِ كَفّاً وَأَكْرَمَهُمْ عِشْرَةً مَنْ خَالَطَهُ فَعَرَفَهُ أَحَبَّهُ ]
« 4 » .
[ 5 ] رابعاً : ويبقى المستقبل دليلا فصلا يكشف عن الحقيقة للجميع ، وهنالك يتبين العاقل والمجنون ، فهل هو أبو لهب وأعداء الرسالة الذين خُلِّدوا باللعنة ، أم الرسول صلى الله عليه وآله وأتباعه الصادقون ؟ « فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ » باعتبار كل المقاييس المادية والمعنوية عندما يأتي المستقبل بالحقيقة .
« 6 بِأَيِّيكُمْ الْمَفْتُونُ » أي المجنون ، لأن افتتان الإنسان بأي شيء دليل اتباعه لغير العقل ، فإن العاقل لا ينهزم في الابتلاءات وعند الفتن ، إنما يتجاوزها وينتصر عليها ، والمفتون يعني أيضاً : المضلَّل المصدود عن الحق . فالمعنى أنكم ستبصرون في المستقبل بمَنْ هو مجنون ومن هو عاقل ، أو تكون الباء بمعنى في فيكون المفهوم أنكم سوف ترون في أيِّكم سكن الشيطان ( المفتون عن الحق ) فأعماه عن رؤيته ، وفتنه مثله عنه . وبالتالي سيظهر الطرف المحق الذي يتلقى الهدى من ربه وهو الرسول ، وأن الرسالة ليست من إلقاءات الشيطان كما يزعم الجاهليون ، بل مواقفهم المعادية لها وللنبي وبهتانهم العظيم . ويبدو لي أن الباء هنا ضرورية وليس كما قال بعض المفسرين : إنها زائدة ، وذلك لأن الجنون حقيقة معنوية لا يمكن أن يبصرها الإنسان بذاتها ، وإنما يبصرها من خلال الدلالات والعلائم الموحية بوجودها ، فهي تبصر بالواسطة ،
ولعله لذلك جاءت الباء في الكلمة « أَيِّيكُمْ » كما جاءت في قوله تعالى : « وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ » [ المؤمنون : 20 ] لأنالشجرة لا تثمر دهنا وإنما تثمر ثمرة فيها الدهن .
ونستوحي من الآية أن المنهج السليم لتقييم الأمور معرفة عواقبها ، لأن الإنسان في بادئ الأمر ومع المتغيرات قد يدخله الريب والتردد في استصدار حكمه الأخير على الأمور ، ولكنها حينما تستقر في مستقبل الزمن يرى بوضوح تام الموقف الواقعي الحق منها . إذن الإحباطات الآنية التي يواجهها المؤمنون في مسيرتهم وانطلاقا من هذه البصيرة لا ينبغي أن تبعث فيهم
هامش
( 1 ) بصائر الدرجات : ص 378 .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 16 ، ص 230 .
( 3 ) بحار الأنوار : ج 16 ، ص 230 .
( 4 ) بحار الأنوار : ج 16 ، ص 231 .