المساجد ، بل وتوزع فتاوى التكفير والمروق للآخرين من منافسين أو مؤمنين في حين أن حقيقة أمرها الخيانة والفسوق .
وقد سمى القرآن الأيمان جنة ليس لأنها تستر حقيقة المنافقين بل لأنهم يتحصنون بها عن ردات فعل المؤمنين والمجتمع التي تتوجه ضدهم لو انكشفت لهم حقيقة هذا الفريق الضال .
وثمة دور خبيث وخطير يقوم به المنافقون في الخفاء هو صد الناس عن سبيل الله المتمثل في القيم الرسالية ، والمتمثلة هي بدورها في حزبه وخطه في المجتمع ، وكلاهما يتجليان في نقطة مركزية هي القيادة الرسالية فهي سبيل الله « 1 » . ومع ما يتكلف المنافقون إظهاره بمختلف الأيمان من الإيمان بها إلا أنهم يحاربونها ويصدون الناس عنها . وما شهادتهم وأيمانهم المعلنة إلا فخاخ الشيطان ، وهذه صورة لكذبهم الذي يشهده الله .
« إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ » وتأتي هذه الخاتمة لتؤكد بأن المنافقين يحسنون صناعة الكلام والشعارات البراقة ، ويبرعون في إظهار الولاء للقيادة ، ولكن ينبغي أن لا ينخدع المؤمنون بهم فإن أعمالهم مناقضة لأقوالهم بالكامل . وهاتان الآيتان تعطيان صورة واضحة للنفاق والمنافقين يمكن التعبير عنها بعملة ذات وجهين : أحدهما المظهر الحسن والآخر المخبر السيئ ، أحدهما الوردة النضرة الجميلة والآخرة الشوكة السامة .
ومن منهجية القرآن في نقد الأعمال والأشخاص أنه عندما يذكر عملًا سيئاً ( كالصد عن سبيل الله ) يؤكد سوءه حتى لا يصبح القائمون به مثلا يحتذى به ، بل أمثولة يحذر منها . ولعل كلمة « سَاءَ » تهدي إلى أن أعمال المنافقين تترك آثارا سيئة في أنفسهم وفي المجتمع .
وليس بالضرورة أن يتحقق الصد في لا وعي الناس ، بل يكون أحيانا في نتيجة الضغوط المختلفة التي يمارسها المنافقون ضدهم ، كالإرهاب البدني والفكري والسياسي والضغط الاجتماعي والاقتصادي جنبا إلى جنب الإشاعات المؤذية ونشر الثقافة السلبية التي هي وسائل الطغاة والمنظمات المرتبطة بهم لتضليل الناس ومحاربة القيادات الرسالية ، وإن أخطر فئات المنافقين على الدين والناس هم علماء السوء . وقد أكد أمير المؤمنين علي عليه السلام هذه الحقيقة لأنهم يتلبسون بمظاهر الإسلام ليخدعوا الناس ، قال عليه السلام :
وإِنَّمَا أَتَاكُمُ الْحَدِيثُ مِنْ أَرْبَعَةٍ لَيْسَ لَهُمْ خَامِسٌ : رَجُلٍ مُنَافِقٍ يُظْهِرُ الْإِيمَانَ مُتَصَنِّعٍ بِالْإِسْلَامِ
لَا يَتَأَثَّمُ ولَا يَتَحَرَّجُ أَنْ يَكْذِبَ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله مُتَعَمِّداً ، فَلَوْ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّهُ مُنَافِقٌ كَذَّابٌ لَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ ولَمْ يُصَدِّقُوهُ ولَكِنَّهُمْ
هامش
( 1 ) هناك أخبار كثيرة تفيد هذا المعنى ، قال الإمام أبو الحسن عليه السلام
: ( وَالسَّبِيلُ هُوَ الْوَصِيُّ ]
، الكافي : ج 1 ص 432 ، بحار الأنوار : ج 24 ، ص 336 ، تأويل الآيات : ص 669 ، المناقب : ج 3 ، ص 72 .