فؤاده عشا للشيطان فيملأه بالظنون والنوايا السيئة والأفكار الضالة . . وهكذا . قال الإمام الصادق عليه السلام :
شُكْرُ النِّعْمَةِ اجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ ]
« 1 » ، وقال الإمام علي عليه السلام :
شُكْرُ كُلِّ نِعْمَةٍ الْوَرَعُ عَمَّا حَرَّمَ الله ]
« 2 » .
الثاني : أن يسخِّر ما أنعم الله به عليه في طاعته وإعلاء كلمته ، بأن يجعل وجوده وكيانه في طاعته وخدمة الحق وأهله ، ومحاربة الباطل وأعداء الله ، فيستمع بأذنه علوم الحق ومواعظ الصدق ، ويوظِّف بصره في النظر إلى آيات ربه وكتابه ، ويُصيِّر فؤاده وسيلة لمعرفة الحق والتفكر فيما ينفع به رسالته ونفسه والناس ، وهكذا سائر النعم والهبات الإلهية .
وإذا فعل الإنسان ذلك يكون شاكرا ، ولا يتم الشكر إلا بمعرفة المنعم والتوجه إليه به ، فإن الإنسان عرضة للشرك في الشكر أيضا ، لذلك جاءت بداية الآية توجهنا إلى المنعم وأنه أهل الشكر ، وعلى هذه الحقيقة أكدت النصوص المستفيضة عن أئمة الهدى ، قال الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام :
والْحَمْدُ لله الَّذِي لَوْ حَبَسَ عَنْ عِبَادِهِ مَعْرِفَةَ حَمْدِهِ عَلَى مَا أَبْلَاهُمْ مِنْ مِنَنِهِ الْمُتَتَابِعَةِ ، وأَسْبَغَ عَلَيْهِمْ مِنْ نِعَمِهِ الْمُتَظَاهِرَةِ ، لَتَصَرَّفُوا فِي مِنَنِهِ فَلَمْ يَحْمَدُوهُ ، وتَوَسَّعُوا فِي رِزْقِهِ فَلَمْ يَشْكُرُوهُ . ولَوْ كَانُوا كَذَلِكَ لَخَرَجُوا مِنْ حُدُودِ الْإِنْسَانِيَّةِ إِلَى حَدِّ الْبَهِيمِيَّةِ فَكَانُوا كَمَا وَصَفَ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ
« إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا » ] « 3 » . وقال الإمام الحسن العسكري عليه السلام :
لَا يَعْرِفُ النِّعْمَةَ إِلَّا الشَّاكِرُ وَلَا يَشْكُرُ النِّعْمَةَ إِلَّا الْعَارِف ]
« 4 » . وأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام :
يَا مُوسَى اشْكُرْنِي حَقَّ شُكْرِي ، فَقَالَ : يَا رَبِّ وكَيْفَ أَشْكُرُكَ حَقَّ شُكْرِكَ ولَيْسَ مِنْ شُكْرٍ أَشْكُرُكَ بِهِ إِلَّا وأَنْتَ أَنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ ؟ ! قَالَ : يَا مُوسَى الْآنَ شَكَرْتَنِي حِينَ عَلِمْتَ أَنَّ ذَلِكَ مِنِّي ]
« 5 » .
[ 24 - 27 ] وعند التفكير في الآية ( 23 ) والآية ( 24 ) نجدهما تجيبان عن أهم الأسئلة المصيرية التي تخطر على بال كل إنسان : من الذي أوجدني ووهبني ما أنا فيه من النعم ؟ ومن الذي ذرأنا في الأرض ؟ ثم ماذا بعد الدنيا ، وإلى أين تسير بنا الأقدار ؟ هذه الأسئلة وأمثالها تؤكد أن معرفة الخالق مسألة فطرية ملحة عند كل إنسان ، وهي إن لم يجب عن الإجابة السليمة فسوف يظل الإنسان حائرا لأنها أسئلة مصيرية ترسم إجابة كل واحد عليها شخصيته ( فكره وسلوكه وعلاقاته ) كما تحدِّد مستقبله .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 68 ، ص 40 .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 68 ، ص 42 .
( 3 ) الصحيفة السجادية : الدعاء الأول .
( 4 ) بحار الأنوار : ج 75 ، ص 378 .
( 5 ) الكافي : ج 2 ، ص 98 .