على الجذب فتسحبهم إلى جوفها بشهيق ذي صوت مرعب أعظم بملايين المرات من الرعد القاصف .
وصفة ثانية لجهنم أنها تفور « وَهِيَ تَفُورُ » ، وللفوران معنيان :
الأول : الغليان بارتفاع ما في الإناء لشدة الحرارة ، وفي المنجد :
فارت القدر : غلت وارتفع ما فيها ]
« 1 » ، وجهنم يومئذ تتداخل ألسنتها وتتموج بما يشبه فوران الماء في القدر لشدة حرارتها .
الثاني : الغضب ، ويقال :
فار فائره أي ثار ثائره وهاج غضبه ]
« 2 » ، وكلا المعنيين مجتمعان في هذه الكلمة القرآنية ، فإن النار يومئذ تفور كالقدر غضبا .
« تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنْ الْغَيْظِ » إنها أعظم من ملايين القنابل النووية التي تنفجر مرة واحدة ، حتى تكاد تنفجر ويمتاز بعضها عن بعض لولا مشيئة الله ! والغيظ الذي يكاد يفجرها هو انعكاس لغضب الله على الكافرين في واقع جهنم ، والآية توحي بأن النار لها شعور يوم القيامة ، وليس من شيء يدعوها للغيظ أعظم من عصيان أصحابها لربهم عز وجل ! .
ويأبى الله سبحانه إلا أن يظهر عدالته حتى لأولئك الذين تسير بهم الأقدار إلى قعر جهنم فإذا بملائكته يسألونهم عن سبب وصولهم إلى هذا المصير البئيس ، لكيلا يدخل النار أحد وفي قلبه ذرة من شك بأنه سبحانه قد ظلمه ، ولكي يصير أهل النار إلى العذاب وهم في أعظم ما تكون الملامة لأنفسهم على ما فرطوا في جنب الله وفي الإعداد لتلك الدار الآخرة « كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ » يحذركم من معصية الله ومن هذه النار « قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ » فالحجة إذن بالغة عليهم ، وأسباب الهداية إلى الحق والوقاية من العذاب وأهمها المنذر والإنذار كانت متوافرة . فعن الإمام الصادق عليه السلام أنه سأله رجل فقال : أَنَّهُ سَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لِأَيِّ شَيْءٍ بَعَثَ اللهُ الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ إِلَى النَّاسِ فَقَالَ : « لئلأَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ »
وَلِئَلَّا يَقُولُوا :
« مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ »
وَلِتَكُونَ حُجَّةُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَلَا تَسْمَعُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ حِكَايَةً عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ وَاحْتِجَاجِهِمْ عَلَى أَهْلِ النَّارِ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ :
« أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ » ] « 3 » .
وحيث انتفى التقصير عن الله المعذِّب ثبت على الطرف الآخر وهم الكافرون المعذَّبون ، فما هو
هامش
( 1 ) المنجد : مادة فور .
( 2 ) المصدر السابق .
( 3 ) بحار الأنوار : ج 11 ، ص 39 .