ففي الدرس السابق بيَّن القرآن وبوضوح كاف أن الوحي رؤية مباشرة وحضور النبي صلى الله عليه وآله عند الله بدئ كل حق وبديع كل واقع سبحانه ، وكذلك شهوده الواعي للمَلَك المنزل من عنده وهو جبرائيل عليه السلام ووعيه وعرفانه لآيات الله ، وبالتالي فإن مسافة لا متناهية تفصل بين واقع الحضور والشهود والعلم عند الرسول وبين الأهواء والظنون عند أولئك الكفار .
وهنا يلج السياق في الحديث المفصل ببيان الضلالات التي وقع فيها المشركون بابتعادهم عن الهدى ، واعتقادهم بالأصنام ليس عن قناعة ، بل لأنهم أرادوا منها الشفاعة ، والفرار من المسؤولية ، والآيات تنسف هذا الضلال بالتأكيد على أن الملائكة مع كرامتهم عند الله لا يملكون الشفاعة إلا من بعد إذنه ورضاه ، فكيف بهذه الأصنام الحجرية التي لا تبصر ولا تسمع ، ولا تنفع ولا تضر ، بل يستوجب الاعتقاد بها الغضب والعذاب ؟ ! . إنهم يتمنون ذلك ويزعمون ، والظن لا يغني من الحق شيئا ، إذ ليس في هذا العالم إلا الحق ، وإنما الحق أن يبلغ الإنسان ما يسعى إليه .
بينات من الآيات :
[ 19 - 20 ] الجهل أرضية أكثر العقائد الفاسدة ، فلأن المشركين لم يعرفوا عظمة الله وآياته طفقوا يعبدون الأصنام ، ولذلك نجد القرآن بعد تأكيد علم النبي صلى الله عليه وآله بربه من خلال الوحي يأتي على بيان فساد عقائد المشركين بالآلهة المزيفة التي عبدوها من دون الله ، بتوجيههم إلى العلم وتبصر الحقائق دون الاسترسال مع الأهواء ، ويقول مستنكرا هذا الضلال : أَفَرَأَيْتُمْ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ( 19 ) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى وهي من أهم وأشهر الأصنام التي عبدها المشركون في الجاهلية ، فأما اللَّاتَ فقيل إنه صنم لأهل الطائف جعلوا له سدنة وكهنة وحجابا ، وزعموا أنه تأنيث لله سبحانه وتعالى ، وقالوا : إن كان لأهل مكة بيتٌ يزورونه ويطوفون حوله كل عام فنحن لنا هذا الإله ، وكانت قبيلة ثقيف التي تسكن الطائف تقدسه وتحترمه ، وأما [ العزى ] فقيل إنه تأنيث عزيز ، وهو شجرة بين الطائف ومكة يقدسونها ويعبدونها ، وقيل عن [ مناة ] إنه بين مكة والمدينة ( ولعل التعبير مستوحى من الأمنية ) . وكانت قبيلتي الأوس والخزرج وأخرى غيرهما يزورونه ويطوفون حوله ، وربما كانوا يحرمون عنده في طريقهم إلى مكة المكرمة .
والمشركون عبدوا هذه الأصنام ولم يروا عليها برهانا قاطعا ، إنما نطقوا عن الهوى ، واتبعوا الظن ، أما الرسول فهو على بصيرة من أمره ، وهدى من ربه ، إنه آمن بالله من خلال وحيه الذي تنزل عليه ، الذي كان من الدلالة والحجية أن رآه متجليا فيه ، كما رآه متجليا في مشاهدات المعراج .
من هدى القرآن — صفحة 52
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٥٢