[ قلت ( أي الراوي ) : وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ قال
: أَقِيِّمُوا الإِمَامَ العَدْلَ »
« 1 » ، ويلتزمون الحق مع أنفسهم باتباع القصد من دون إفراط ولا تفريط ، ومع الناس فلا يبخسون ، ولا يطففون ، ولا يظلمون ولا يعتدون ، ولا ينقضون العهد ، وهكذا يلتزمون العدل في علاقتهم مع الخليقة من حولهم ، فلا يفسدون في الأرض بعد إصلاحها ، ولا يهلكون الحرث والنسل ، ولا . . ولا . .
ولكن تبقى شريحة من الناس تخالف الحق ، من أجل هذا أنزل الله الحديد وسيلة رادعة لتنفيذ القسط وإقامته بين الناس ، ولا ريب أن القوة ليست الوسيلة المناسبة دائما ، فما يقره الإسلام شرعية القوة في الحالات الخاصة لا شريعتها . وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ قال الإمام علي عليه السلام :
« يَعْنِي السِّلَاحَ وَغَيْرَ ذَلِكَ »
« 2 » ، مما يحقق الغرض منه ، وهو الردع وتنفيذ القسط . وهذا الشطر من الآية معطوف على الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ ولكن الله يذكر أولا الهدف من الحديد . لماذا ؟
يبدو لكي يبين بصيرة هامة وهي : أن العوامل المتقدمة هي الأهم ، ولا بد أن تكفي في الظروف العادية لِيَقُومَ النَّاسُ ( أنفسهم ) بِالْقِسْطِ فلا يحتاجون إلى إعمال الحديد وذلك لأن القوة التنفيذية في الإسلام تستمد قوتها الأساسية من الإيمان لا من السيف .
وهنا نتساءل : إذن لماذا أنزل الله الحديد ؟ .
الجواب : إنما لأولئك الجبابرة والطغاة والمعاندين الذين قست قلوبهم عن وعي البينات والكتاب ، وعارضوا الميزان والقسط ، لمثل أولئك شرع الله استخدام السيف ، ورغَّب فيه ، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال :
« الخَيْرُ كُلُّهُ فِي السَّيْفِ وتَحْتَ ظِلِّ السَّيْفِ ولَا يُقِيمُ النَّاسَ إِلَّا السَّيْفُ »
« 3 » ، وقال الإمام علي عليه السلام :
« إِنَّ اللهَ تَعَالَى دَاوَى هَذِهِ الُأمَّةَ بِدَوَاءَيْن : السَّوْطِ والسَّيفِ لَا هَوَادَةَ عِنْدَ الإِمَامِ فِيْهِمَا »
« 4 » ، وقال الإمام الصادق عليه السلام :
« إِنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ بَعَثَ رَسُولَهُ بِالإِسْلَامِ إِلَى النَّاسِ عَشْرَ سِنِينَ فَأَبَوْا أَنْ يَقْبَلُوا حَتَّى أَمَرَهُ بِالقِتَالِ فَالخَيْرُ فِي السَّيْفِ وتَحْتَ السَّيْفِ والأَمْرُ يَعُودُ كَمَا بَدَأَ »
« 5 » ، وقال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام :
« السَّيْفُ فَاتِقٌ وَالدِّيْنُ رَاتِقٌ ، فَالدِّيْنُ يَأمُرُ بِالمَعْرُوفِ والسَّيْفُ يَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ ، قَالَ اللهُ تَعَالَى :
وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ] « 6 » .
هامش
( 1 ) تفسير القمي : ج 2 ص 343 .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 90 ص 138 .
( 3 ) بحار الأنوار : ج 97 ص 9 .
( 4 ) بحار الأنوار : ج 32 ص 9 .
( 5 ) وسائل الشيعة : ج 15 ، ص 15 .
( 6 ) غرر الحكم : حكمة 7634 .