المتقدم بيانه صار صدِّيقاً أو شهيداً وشملته إشارة القرآن : أُوْلَئِكَ هُمْ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ ، ونقرأ في آية أخرى وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً [ النساء : 69 ] وأي تجمع أنبل من هؤلاء وأقرب إلى الله ؟ والشهادة في القرآن ليست منصرفة إلى القتل بالسيف وإنما هي تنصرف لكل من وافاه أجله مؤمنا بالله ورسله متحملا لمسؤوليته الرسالية ، وهي بمعنى الشهود والحضور والميزان والتأثير .
روى العياشي عن منهال القصاب قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : ادعُ الله أن يرزقني الشهادة فقال :
« إِنَّ المُؤْمِنَ شَهِيْدٌ ، وَقَرَأَ هَذِهِ الآيَة »
« 1 » وعن الحارث بن المغيرة قال : [ كنا عند أبي جعفر عليه السلام فقال :
العَارِفُ مِنْكُمْ هَذَا الأَمْرَ المُنْتَظِرُ لَهُ المُحْتَسِبُ فِيهِ الخَيْرَ كَمَنْ جَاهَدَ وَالله مَعَ قَائِمِ آلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله بِسَيْفِهِ ، ثُمَّ قَالَ : بَلْ وَالله كَمَنْ جَاهَدَ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله بِسَيْفِهِ ، ثُمَّ قَالَ الثَّالِثَةَ : بَلْ وَالله كَمَنِ اسْتُشْهِدَ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله فِي فُسْطَاطِهِ وَفِيكُمْ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ الله .
قُلْتُ : أَيُّ آيَةٍ جُعِلْتُ فِدَاكَ ، قَالَ :
قَوْلُ الله عَزَّ وَجَلَّ :
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ
، ثُمَّ قَالَ : صِرْتُمْ وَالله صَادِقِينَ شُهَدَاءَ عِنْدَ رَبِّكُم »
« 2 » ، وقال الصادق عليه السلام :
« فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا
فِي المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أَخْرَجَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ دِيَارِهِمْ وأَمْوَالِهِمْ أُحِلَّ لَهُمْ جِهَادُهُمْ بِظُلْمِهِمْ إِيَّاهُمْ وأُذِنَ لَهُمْ فِي القِتَالِ »
« 3 » .
إن تصديق الشهادة الحقيقية يتجلى في الإيمان بالله ، والطاعة للقيادة الرسالية ، لأن المهم أن يكون الإنسان في خدمة الدين ليكون صدِّيقًا أو شهيدًا ثم لا يهم أين يكون ، فقد يكون دوره ضمن أجهزة الأنظمة الفاسدة ومؤسساتها لأغراض تعلمه القيادة كما فعل مؤمن آل فرعون وفعلت زوجة فرعون آسية ، وقد يكون مشغولا بالقراءة والتأليف ، أو سائحا في البلاد لمصلحة العمل ، أو ما أشبه .
لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ أما الأجر فيتمثل في الآخرة بالجنات ، أما في الدنيا فقد يتجلى في النظام الحياتي المتكامل بما له من معطيات حضارية كريمة . وأما النور فيتمثل في الآخرة بالضياء الذي يفقده الناس في المحشر ، أما في الدنيا فهو ذلك الهدى الذي يمشي عليه المؤمن في كل حقول الحياة .
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ في الدنيا لأنهم كذبوا
هامش
( 1 ) تفسير نور الثقلين : ج 5 ، ص 244 .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 24 ، ص 38 .
( 3 ) الكافي : ج 5 ، ص 17 .