وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وهو أقرب إلى التقوى حتى من العدل ، ذلك أن القسط ليس مجرد العدل ، بل العدل بإضافة الاحتياط الذي يضمن حصوله بالفعل ، فمثلا إذا كنت صاحب محل تزن للناس تعادل ما تبيع بالوزن المطلوب ثم تضيف إليه شيئا ، وإذا كنت تشتري تنقص ما تشتريه عن الوزن المتفق بينك وبين البائع ، وذلك للتأكيد من فراغ الذمة في الحالتين . هذا هو القسط ، وكم تكون البشرية سعيدة لو عملت بهذه القاعدة .
والإقامة هي الالتزام بالشيء وأداؤه على أحسن وجه ، وإقامة الوزن تكون في أفضل صورها عند العمل بالقسط .
وربنا لا ينهى عن إخسار الميزان بصورة ظاهرة وفظيعة ، بل وينهى حتى عن مخالفته بصورة بسيطة ، أو خفية باستغلال غفلة الناس وثقتهم ، أو بالاحتيال على القانون ، فيقول : وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ والعمل بالقسط يضمن من جانب تحقق العدالة ، ومن جانب آخر يجنب الإنسان مخالفة الحق والنظام ، والسؤال : كيف يخسر الإنسان الميزان ؟ .
من المفاهيم الحضارية بل من الإنجازات الهامة في عالمنا اليوم وحدة الموازين ، ( الكيلو غرام ، الكيلو متر مثلًا ، وكذلك المقاييس والوزان الأخرى ) وهذه يتفق عليها الناس ، ويعتمدونها في معاملاتهم ، ولعل هذا من أبرز معاني إقامة الميزان واحترامه وعدم التلاعب به ، بأن يعتبر البعض الكيلو 900 غرام ، والبعض الآخر 1000 غرام ، فذلك يفقد البشرية إنجازاً حضاريًّا ، ويفسح المجال للمزيد من الظلم والتلاعب بالحقوق ، بل إن إقامة الوزن ( الهدف ) لا يتحقق إلا بالميزان ، وإخساره تضييع لهذا الهدف .
وكلمة الْمِيزَانَ واسعة تشتمل على كثير من المضامين ، فالعقل ميزان ، والقرآن ميزان ، والعهد ميزان ، وما تتفق عليه الجماعات الإيمانية في اجتماعها إلى بعضها ميزان ، ولا يصح لأحد أن يخرج عليه مهما كان مخالفا لمصالحه الشخصية ، ولكن أظهر معاني الميزان هو القيادة الرسالية ، بأقوالها وأفعالها وآرائها باعتبار قربها من القيم فهما وتطبيقا ، قال الإمام الرضا :
« . . . وَالمِيزَانُ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ
عليه السلام
نَصَبَهُ لِخَلْقِهِ
، قُلْتُ - الراوي - : أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ قَالَ عليه السلام :
لَا تَعْصُوا الإِمَامَ
، قُلْتُ : وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ ، قَالَ عليه السلام :
أَقِيمُوا الإِمَامَ العَدْلَ
، قُلْتُ : وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ قَالَ عليه السلام :
وَلَا تَبْخَسُوا الإِمَامَ حَقَّهُ وَلَا تَظْلِمُوهُ . . . » .
« 1 » .
والقرآن يضرب لنا مثلا لإخسار الميزان في الحقل الاجتماعي والاقتصادي فيقول متوعدا : وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ( 1 ) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ( 2 ) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ
هامش
( 1 ) بحارالأنوار : ج 24 ، ص 67 .