نراه لا يعدو كونه خيالات .
ثم يبيِّن ربُّنا سَفَه ما يقوله المشركون من أن لله ابنا ، وذلك بأن يرد عليهم الرسول صلى الله عليه وآله أنه أول العابدين لله ، وأن كل شيء مخلوق لله ، وليس من شيء قائم بذاته ، إنما الله القائم على كل شيء ، فلولا أنه يمسك السماوات والأرض لزالتا ، ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده ! وكما في عالم الطبيعة كذلك في الاجتماع البشري ، فلو أراد الله أن يفقر أحدا هل يغنيه أحد ! أو أراد أن يضله هل يهديه أحد !
وآخر الآيات تتحدث عن الله الذي هو في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم ، الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما ، ولا يحتاج إلى ابن ، وأننا إليه راجعون ، وأن الذين يعبدون من دون الله لا يملكون شفاعة ، فلن تشفع لهم الجنة ولا الأصنام ، ولكن الشفاعة عند من يكذبون بهم من الرسل والأنبياء .
وهؤلاء الذين يكذبون بالرسل إنما يكذبون بالله ، ولئن سألتهم من خلق الخلق وخلقهم ليقولن الله . إنهم يعترفون بالله تكوينيا ، فهو الذي خلقهم وخلق كل الخلق ، ولكن لا يؤمنون بالله تشريعيا ، إذ أرسل إليهم الرسل ، وأيدهم بآياته ، فما فائدة إيمانهم بأن الله خالقهم ، إذ لم يؤمنوا بأن الله هو الوحيد الذي يجب أن يُشرِّع ، لأن شرعه سبحانه يتناسب مع أهداف الخلقة ، ولا أقدر على التشريع إلا مَن خلقنا .
وأخيرا يحدِّد السياق العلاقة المثلى مع هؤلاء القوم المتمثلة في العفو عنهم ، والدعوة إلى السلام ، وترك أمرهم إلى يوم القيامة .
بينات من الآيات :
[ 78 ] إتماما للحديث عن النار ، وعقب أن يرد عليهم مالك بأنهم ماكثون أبدا في النار ، يبيِّن لهم سبب ذلك ، قائلا : لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ
عن ابن عباس : [ إن المراد من الأكثر هنا هو الكل ] . ولعله فهم من الآية أن عادة البشر هي كراهية الحق إلا من عصمه الله ، ونستلهم من ذلك أن على الإنسان أن يتجاوز في ذاته هذه الكراهية بعزم الإرادة حتى يبلغ الحق ، أما إذا استرسل مع هواه فسوف يقوده إلى الباطل .
[ 79 ] لا ينفع التحدي والعناد شيئا ، لا بد من التسليم والطاعة ، وإذا زعم الكافرون أنهم قادرون على مواجهة الحق وأهله ، بالكيد المتين ، والعزم الشديد ، والمكر الخفي ، فليعلموا
من هدى القرآن — صفحة 77
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٧٧