والقيم الأخلاقية والعقلانية التي أودعها الله في الإنسان لتكون ميزانا .
وإنما الطاغوت يستثير الشهوات والحميات الجاهلية جاعلا من مجتمعه قطيعا من الهمج الرعاع . ولقد كان فرعون - شأن كل الطغاة - يعرف أن منطق العقل والعلم والفطرة يؤيد موسى عليه السلام ، ولكنه انحرف عنه إلى إثارة العصبيات ، والتلويح بالإرهاب والإغراء ، وبالتالي إزاغة الناس من عقولهم الرصينة إلى شهواتهم الخفيفة .
لقد قال فرعون وأجهزة إعلامه : لماذا لا يلبس موسى أسورة من ذهب ، ويدعم منطقه بجنود من الملائكة ، واليوم تقول أجهزة الفراعنة الجدد : ما قيمة شرذمة من المؤمنين الرساليين ، إنهم لا يملكون قوة ولا مالا ؟ بلى ؛ ولكنهم يدعون إلى الله ، والله هو القوي الغني . ولكن من الذي يتبع دعايات الظالمين ، ويخضع لإعلامهم ! ، إنما هم الفاسقون .
إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ سلَّموا أنفسهم للباطل ففسقوا عن الحق ، لأنهم لم يُربَّوا أنفسهم منذ البدء على التسليم للحق ، فكان لا بد أن يُسلِّموا لباطل فرعون .
ويبدو من هذه الآية أن فرعون ليس هو المسؤول الوحيد ، إنما الذين اتبعوه كانوا أيضا مسؤولين ، وإلا لما قال عنهم ربنا : فَأَطَاعُوهُ ولما قال عنهم : إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ فقد أطاعوا فرعون في باطله ، لأنهم كانوا فاسقين في واقعهم ، فاستحقوا العذاب باختيارهم السيئ .
[ 55 ] لقد أغضبوا الرَّب الرحمن بعنادهم على الجحود ، وبلغ بهم فعلهم المشين درجة الأسف فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ إن الله لا يتأسف ، ولكن الواقع واقع يبعث على الأسف ، والله يفعل ما ينبغي أن يفعله من يأسف ، كما أن أولياء الله الذين رضاهم رضى الله وسخطهم سخط الله يأسفون .
[ 56 ] فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلًا لِلآخِرِينَ سلفا : مثالا يحتذى بهم ، ومثلا : عبرة لمن يعتبر .
من هدى القرآن — صفحة 58
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٥٨