الثانية : أنهم قالوا : ادع لنا ربك ، ولم يقولوا : ربنا .
الثالثة : أنهم حين العذاب بالآيات لم يهتدوا . ولكنهم قالوا : إننا لمهتدون إن كشف عنا ربك العذاب ، فهم لن يهتدوا إلا بعد أن يكشف الله عنهم العذاب .
وتساءل المفسرون : كيف سمَّوا موسى ساحرا ثم سألوه أن يدعو ربه بالنجاة ؟ .
والجواب :
أولًا : يكشف القرآن الحكيم دائما تناقضات الكفار ، وكيف أنهم ضلوا فلا يهتدون سبيلا ، وبالذات فيما يرتبط بظاهرة النبوة ، فقال ربنا سبحانه : بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلْ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ [ الأنبياء : 5 ] . وقال سبحانه : انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا [ الإسراء : 48 ] .
وقوم فرعون بدورهم ضلوا في أمر موسى عليه السلام ، فمن جهة قالوا ، يا ساحر ، ومن جهة أخرى اعترفوا بأن قدرته ليست منه ، ولا من بعض ما يعرفه من الحيل ، بل من الله ، فسألوه أن يدعو ربه .
ثانياً : إن تهمة السِّحر التي كان الكفار يفترونها على الأنبياء كانت أقوى حجة لصدق نبوتهم ، إذ إنهم اعترفوا من خلالها بأن الرسُّل يأتون بما هو خارق العادة ، ولكنهم كانوا يفسرونها بالسحر . . ونحن نعرف براءة الرسُّل من السحر ، إذ لا يفلح الساحر حيث أتى ، ونعرف الفرق الذي جهلوه بين السحر والنبوة ، فيكون اعتراف الأمم الكافرة دليلا على صدق الرسل - وسحرة فرعون كانوا يُدرِكون الفرق فآمنوا بل والملأ بوصفهم النخبة المثقفة ومطلعة أو مشاركة في التضليل الإعلامي الموجه للأنبياء - ، وأن تلك كانت آيات تشابهت عليهم بامتلاك الرسل الخوارق ، كما نعرف أن كفر أولئك الجاهلين كان بدافع الكبر وحب الدنيا والهروب من المسؤولية .
ثالثاً : بالرغم من اتهام النبي موسى عليه السلام بالسحر ، ونكثهم المكرر لوعدهم إياه بالتصديق ، لم يزل هذا النبي العظيم يدعو ربه لأجلهم . وحقا : ما أوسع هذا الصدر ، وما أرحم هذا القلب ، وما أدوم هذه الاستقامة في طريق الدعوة التي ينبغي أن نجعلها لأنفسنا أسوة ومثلا حسنا .
[ 50 ] وبرحمة الله سبحانه الواسعة وعطفه على العباد يرفع عنهم العذاب ، مع علمه أنهم لن يهتدوا إذا أبدا ، ولكن ليعطيهم الفرصة تلو الفرصة فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمْ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ
من هدى القرآن — صفحة 54
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٥٤