النفوس ، حيث تتفاجأ بألوان من العذاب لم تتوقعها أو تحسب لها حسابا .
[ 171 - 172 ] إن تشبث فئام من الناس بمختلف التبريرات كالأفكار الجبرية ، والانتظار الساذج للفرار من مسؤولية الإيمان بالرسالة يجب أن لا يوهن الرساليين أو يسلبهم الثقة بنصر الله لهم ، لأنه سبحانه أراد الانتصار لمبادئه ولمن يؤمن ويلتزم بها ، ولو كان ظاهر الحياة هو تسلط الطغاة المنحرفين ، فإن الله غالب على أمره ، وما سيطرتهم إلا محدودة . وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ( 171 ) إِنَّهُمْ لَهُمْ الْمَنصُورُونَ فليس كلام الله عن نصرهم شيئا جديدا ، إنما هو قديم سبقت بواقعيته أحداث التأريخ ، فما من رسالة إلا وأظهرها الله ، نعم . قد يقدم أصحابها شيئا من التضحيات ، أو يطول بهم الانتظار برهة من الزمن . لكن العاقبة تكون في صالحهم ونجاح مسعاهم ، ويلاحظ توالي التوكيدات اللفظية على ذلك في هذه الآية وفي التي تليها أيضا .
[ 173 ] وهذا النصر لا يختص بالأنبياء شخصيا ، إنما ينتصر كل من يمثل جبهة الحق ، ويحمل مشعل الرسالة الإلهية على امتداد التأريخ وفي كل أفق . وَإِنَّ جُندَنَا لَهُم الْغَالِبُونَ وجند الله هم المؤمنون .
[ 174 ] ولكن متى ينصر الله عباده المؤمنين ؟
ينصرهم حينما ينفصلون ويتميزون عن الكفار والمنافقين . ماديا ومعنويا ، لهذا جاء الأمر الإلهي للرسول بذلك . فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِين والحين هنا يعني الوقت الذي يأتي فيه الأمر للرسول والمؤمنين بالهجوم عليهم وقتالهم ، في ظل رعاية الله ونصره .
[ 175 ] وفي الأثناء التي ينفصل المؤمنون المجاهدون عن الكافرين والمنافقين بالهجرة - مثلا - ينبغي لهم أن يراقبوهم ، ويكونوا شهودا على الواقع ، وكل حركة تنشد التغيير لا بد لها من مراقبة الواقع ، ودراسة العدو . وَأَبْصِرْهُم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ إنهم - بدورهم - سوف يرون العذاب ويلاقونه من عند الله أو بأيدي المؤمنين . وفي الآية معنى التوكيد على العاقبة لرسل الله وجنده ، فكأنها أمام أعين الجميع يبصرها الصالحون فيفرحون بها ، ويبصرها الكفار فيزدادون بها غيضاً وحنقا .
[ 176 ] وعذاب الله لا يأتي للإنسان حسب تمنياته ، حتى يحتج الكافرون على كذب الرسالة بأنهم تحدوا الله ، فلم يرد عليهم ، كلا . . إنما يرسل ربنا العذاب حسب حكمته سبحانه . أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ وماذا يستعجلون من عذاب الله ، إنه الدمار الشامل ، والهزيمة الماحقة ، والنار المحيطة ، والهوان الأليم .
من هدى القرآن — صفحة 67
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٦٧