يدل على أن عقل الإنسان يحتوي على حقائق كثيرة لو استثاره صاحبه .
[ 14 ] وهؤلاء ليس فقط لا يعودون إلى ذاكرتهم إذا استثيرت ، إنما يرفضون الانصياع للحق مع ظهور الآيات والشواهد عليه ، وأعظم من ذلك جرأة على الله أنهم يستثيرون الناس للسخرية على الحق وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ .
وقد تكون في الآيات إشارة إلى ثلاث مراحل يمر بها هؤلاء في رفضهم للحق :
الأولى السخرية بالحق لمجرد رؤيته .
الثانية : قسوة القلب ، وهي نتيجة للسخرية حيث تتراكم عليه الحجب ، فلا يعود صاحبه قادرا على التفاعل مع التذكرة ، ومطابقة الحق الخارجي مع الفطرة البشرية والعقل .
الثالثة : محاربة الحق ومحاولة صد الناس عنه .
[ 15 ] ومن أجل أن يبرر هؤلاء كفرهم بالحقيقة ، ويضلون الناس عنها يلجؤون إلى إثارة الشبهات حول الحقائق :
الشبهة الأولى : حاولوا من خلالها تشكيك الناس في أصل الرسالة وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ واختاروا تشبيهها بالسحر ، لأنه أقرب الأمور وأشبهها للحق ظاهريا ، ومن قصة النبي موسى عليه السلام يتضح لنا أن حبال السحرة خُيِّلت للناس أنها تسعى ، إلا أن الفرق بين السحر والحق أن السحر لا واقع له ، بينما الحق واقع قائم .
[ 16 ] الشبهة الثانية : قالوا : كيف يُبعثُ الإنسان بعد أن يصير ترابا وأعضاء ممزقة ؟ ! لأنهم يريدون حياة لا مسؤولية فيها ، وهذا الاعتقاد يلتقي مع عبادتهم للجن وسائر الشركاء الذين يعبدونهم ليرفعوا عنهم المسؤولية بالشفاعة أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ .
[ 17 ] ثم يضيفون استهزاءاً وسخرية : أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ الذين تلاشوا في التراب ؟ !
[ 18 ] فيجيبهم الله على لسان نبيه صلى الله عليه وآله إذ يترفع عن مخاطبتهم تحقيرا لهم وإصغارا ، وهكذا لا نجد في القرآن ولا آية واحدة ، تشتمل على خطاب مباشر من الله للمشركين والكفار على صعيد الدنيا : قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ أي ساجدين مستسلمين للإرادة الإلهية ، حيث تنتهي الحياة الدنيا وحرية الإنسان تباعا لها ، ولا يبقى هناك إلا العمل والحساب ، حيث تتجلى المسؤولية التي لا محيص منها تجليا تاما .
من هدى القرآن — صفحة 18
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٨