ويقولون :
( اللَّهُمَ عَظُمَ بَلائِي وَأَفْرَطَ بِي سُوءُ حَالِي وَقَصُرَتْ بِي أَعْمَالي وَقَعَدَتْ بِي أَغْلالي وَحَبَسَنِي عَنْ نَفْعِي بُعْدُ آمَالِي ، وَخَدَعَتْنِي الدُنْيا بِغُرورِها وَنَفْسِي بِخيانَتِها وَمِطالِي يا سَيِّدِي )
« 1 » .
ويقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام :
( أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَانِ اتِّبَاعُ الهَوَى وطُولُ الأَمَلِ فَأَمَّا اتِّبَاعُ الهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الحَقِّ وأَمَّا طُولُ الأَمَلِ فَيُنْسِي الآخِرَة )
« 2 » .
كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ ويصرفون عن الحق ، ويزعمون أن الجزاء بعيد ، أو أنه لا يأتي أبدا ، والسؤال : من الذي يصرفهم عن الحق ؟ الجواب : قد يكون الشيطان أو المجتمع الفاسد أو هوى النفس ، وبالتالي أنى كان عامل الضلالة فإنهم لا يمكنهم أن يغيروا الواقع بتمنياتهم الحلوة ، كلا . . الجزاء آت ، وسوف يقولون عنده أنهم لم يلبثوا غير ساعة .
ولعل كلمة كَذَلِكَ هنا توحي بأن ضلالتهم في معرفة مدة لبثهم تشبه ضلالتهم في إبعاد فكرة الجزاء عن أذهانهم .
ومن هنا ينبغي أن يتضرع الإنسان إلى ربه ألا ينسيه الآخرة ، وأن يقصر أمله بحسن العمل .
[ 56 ] أما المؤمنون فإنهم على يقين من الآخرة ، ويحذرون الحساب ، ويشفقون من الساعة ، ويسعون دائبين لاتقاء عذاب ربهم ، فلذلك لا تفاجئهم الساعة ، أوليسوا قد أعدوا عدتها ، وتزودوا لرحلتهم إليها الزاد الأوفى ؟
وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لعل العلم هنا هو علم الساعة ، بدليل قوله سبحانه في آخر هذه الآية : وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ ، أما الإيمان فهو التصديق لما يقتضيه العلم بالقول الصادق والعمل الصالح .
لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ ليس المهم المدة التي لبثتم خلالها ، طالت أم قصرت ، المهم أنكم بالتالي واجهتم ما هربتم منه بزعمكم .
ولعل التعبير ب فِي كِتَابِ اللَّهِ يشبه ما نقوله : ( في الواقع ) ، أي أنه بعكس تمنياتكم بألا تأتي الساعة أو أن تطول المسافة بينكم وبينها لم يقع ما هوت أنفسكم ، بل وقع ما أراد الله ، وما أثبته في كتابه الذي هو مقياس الحق ، وليس أهواءكم وتمنياتكم وما تشتهيه أنفسكم .
هامش
( 1 ) اقبال الأعمال ، لابن طاووس ، ص 706 . من دعاء كميل بن زياد .
( 2 ) نهج البلاغة : خطبة 42 .