أبرز عيب فيه عدم السماع ، ولم يستخدم السماع للأعمى لأنه يسمع ، بل قال : وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ .
إن السمع الذي هو بداية فهم التجربة والانتفاع لا يكون إلا عند التسليم ، فمن فقد حالة التسليم النفسي للحق لم ينتفع حتى بسمعه إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ .
وكلمة أخيرة : في درس مضى قرأنا قوله تعالى : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . وفي الآية بعدها يذكر إرسالا آخرا ، ولكن ليس للرياح وإنما للرسل ، فيأتوهم بالبينات : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنْ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ، وفي الآية بعدها يبسط القول في الرياح فيقول : اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ .
وبعد ذلك يتكلم عن إحياء الأرض بعد موتها بالمطر .
ونستوحي من هذا الترتيب :
أولًا : أن الله كثيرا ما يربط بين إرسال الرياح وبين إرسال الرسل ، قال تعالى : وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 57 ) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ( 58 ) لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [ الأعراف : 57 - 59 ] .
وهكذا تكون رسالاته مظهرا لبركاته ، كما الرياح الخيرة .
ثانياً : لقد فسر آل البيت عليهم السلام السحاب بالرسول صلى الله عله واله وفسروا إحياء الأرض بعد موتها بإحياء الأرض بأئمة الهدى .
وجاء في بعض الروايات أن ذلك جاء في حق صاحب الأمر القائم ( عج ) . فعن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى : اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قال :
( يُحْيِيهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالقَائِمِ بَعْدَ مَوْتِهَا يَعْنِي بِمَوْتِهَا كُفْرَ أَهْلِهَا وَالكَافِرُ مَيِّت )
« 1 » .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 51 ، ص 54 .